طه حسيب (أبوظبي)
انطلقت أمس في أبوظبي فعاليات النسخة الثالثة من «منتدى هيلي 2026»، الذي ينظمه مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية وأكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية، بمشاركة نخبة من صنّاع القرار وكبار المسؤولين والدبلوماسيين والأكاديميين والخبراء الدوليين. وينعقد المنتدى على مدار يومين تحت عنوان «الخليج عند مفترق طرق: الصراع، والتداعيات، وتصحيح المسار»، ليرصد تحديات تواجه دول الخليج العربية تتداخل فيها اعتبارات الأمن والطاقة والتجارة والتكنولوجيا والممرات الحيوية. حضر أعمال اليوم الأول معالي الدكتور أنور بن محمد قرقاش، المستشار الدبلوماسي لصاحب السمو رئيس الدولة، ومعالي الدكتور علي راشد النعيمي، رئيس لجنة شؤون الدفاع والداخلية والخارجية في المجلس الوطني الاتحادي، ومعالي خليفة شاهين المرر، وزير دولة بوزارة الخارجية، ومعالي الدكتور سلطان بن سيف النيادي، وزير دولة لشؤون الشباب، ومعالي الشيخ عبدالله بن محمد آل حامد، رئيس الهيئة الوطنية للإعلام، ونخبة من الأكاديميين والباحثين والخبراء.
قرقاش: مرونة الإمارات تجعلها قادرة على مواجهة التحديات
أكد معالي الدكتور أنور بن محمد قرقاش، المستشار الدبلوماسي لصاحب السمو رئيس الدولة، خلال كلمة خاصة ضمن فعاليات النسخة الثالثة من منتدى هيلي، أن دولة الإمارات أظهرت صلابة وطنية في مواجهة الهجمات المتواصلة، مستندةً إلى قوة قيادتها، وكفاءة مؤسساتها، وتلاحم شعبها، وأوفت بوعدها بتوفير الأمن والازدهار للمواطنين والمقيمين والزوار، وواصلت مسيرتها التنموية بثقة راسخة، وعزيمة ثابتة.
وأشار قرقاش إلى أنه رغم الهجمات الصاروخية، حققت التجارة الخارجية غير النفطية لدولة الإمارات نمواً سنوياً بنسبة 13 في المئة خلال النصف الأول من العام الجاري، بالتزامن مع استمرار النمو الاقتصادي، والتوسع في القطاعات ذات الأهمية الاستراتيجية لمستقبل الدولة. وأكد قرقاش أن الاستقلال الاستراتيجي هو الخيار السياسي الأحكم؛ لأنه يقودنا إلى الأمن، ومرونة الإمارات تجعلها قادرة على مواجهة التحديات، والتزامها بالحوار مسار اختارته للتخطيط للمستقبل. وقال قرقاش: الآن نوسع قدراتنا على الساحل الشرقي، ويتم تعزيز خطوط أنابيب نقل الطاقة وتدشين مسارات بديلة كي لا تصبح صادرات الطاقة رهينة. وأضاف أن إيران اتخذت قرار الهجمات عن عمد؛ بهدف تهديد المنطقة، وهذا فشل استراتيجي؛ لأن إيران دمرت جسوراً في علاقاتها بدول الخليج استغرق تدشينها سنوات، وأن الاستجابة العربية لم تكن جيدة ولا فعالة، سواء في منع الحرب أو احتواء الأزمة. وأضاف: ينبغي التحلي بالصدق عند القول إن دول الخليج تعاونت في مواجهة الأزمة، لكن لم يكن هذا التعاون على قدر التهديد، ولم يكن بنفس قوة الموقف الخليجي من «الربيع العربي» أو حرب الخليج، لم تتم ترجمة التفاهم المشترك إلى موقف استراتيجي مشترك.
ويرى قرقاش أن الأزمة كشفت عن قصور النظام الدولي، وعدم قدرة الأمم المتحدة على تطبيق القانون الدولي، فهذه أزمة إقليمية حادة في ظل غياب آليات دولية لحل النزاعات، فمن غير المقبول- حسب قرقاش- أن تظل السفن التجارية تحت تهديد الصواريخ والمسيرات، فهذا يلحق الضرر بالاقتصاد العالمي، مؤكداً مركزية منطقة الخليج في أمن الطاقة، حيث يمر ربع تجارة النفط العالمية من مضيق هرمز، ويؤثر ارتباك إمدادات الطاقة على الأسمدة، بما يهدد الأمن الغذائي، وأضاف: لا يمكن لدولة واحدة أن تؤثر على مضيق هرمز، ومن غير المقبول استغلال الممر البحري؛ لأن حرية الملاحة ليست امتيازاً يمنح، ولا يخضع للتفاوض.. ولا يمكن الاعتماد على ترتيبات هشة، والهدف استقرار مستدام محكوم بأهداف ومسؤؤليات. ووضع ضمانات لمنع الهجمات المستقبلية، واحترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.

إرهاب المضائق
في مستهل فعاليات النسخة الثالثة من منتدى هيلي، أكد د. سلطان النعيمي، مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، خلال الكلمة الترحيبية، أن المنتدى نافذة للجميع لمناقشة قضايا تتجاوز حدود الدول والأقاليم، مشيراً إلى أن تداعيات الهجوم الإيراني العدواني على دول الخليج، أربكت إمدادات الطاقة العالمية، ورفعت سعر برميل النفط إلى 100 دولار بعدما كان 72 دولاراً، وأسفرت عن زيــــــادات في أسعار الأسمدة الزراعية والنقل البحري، ورفعت إسعار الأغذية بنسبة 8 %.

القدرة على الصمود
أوضح نيكولاي ميلادينوف، مدير عام أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية، أن التحدي الذي تواجهه منطقة الخليج يكمن في قدرتها على مواصلة دورها بوصفها حلقة وصل، في وقت بات فيه الانقسام مبدأً ناظماً للعلاقات الدولية. وفي تصريح خاص لـ«الاتحاد»، دعا د. محمد الظاهري، نائب مدير عام أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية إلى حلول دبلوماسية تشارك فيها دول المنطقة لإعادة فتح مضيق هرمز بشكل كامل، ووضع ترتيبات أمنية للتعامل مع إيران والوصول إلى حلول مستدامة.
حماية سلاسل الإمداد
تحت عنوان «تعقيدات النظام الأمني في الخليج»، أدار د. ﻣﺤﻤﺪ اﻟﻈﺎﻫﺮي، جلسة رئىسية بمشاركة ﻣﻌﺎذ اﻟﻮري، ﻣﺪﻳﺮ إدارة ﺗﺨﻄﻴﻂ اﻟﺴﻴﺎﺳﺎت ﻓﻲ وزارة اﻟﺨﺎرﺟﻴﺔ، ود. ماجد الأنصاري، مستشار رئيس مجلس الوزراء، والمتحدث الرسمي لوزارة الخارجية القطرية، والفريق البحري المتقاعد جون دبليو «فُوزي»، رئيس مجموعة فوزي ميلر بالولايات المتحدة. واستنتج المتحدثون أن أزمة الخليج تتجاوز نطاق التحديات الإقليمية، لتلقي بظلالها على منظومة الطاقة والتجارة والملاحة البحرية العالمية. وفي ظل انخفاض تكلفة إحداث الاضطرابات وتيسُّر وسائلها، تقف دول الخليج أمام خيار استراتيجي يتطلب توثيق التعاون، وبناء قدرة أكبر على الصمود، عبر ترسيخ الأمن الجماعي، وتفعيل الدبلوماسية، وتعميق الاعتماد الاقتصادي المتبادَل، وتعزيز حماية سلاسل الإمداد الحيوية.

جاسم البديوي: دراسات خليجية لبحث أهم دروس الأزمة
في جلسة حوارية أدراها د. سلطان النعيمي، أكد معالي جاسم البديوي، الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، أنه منذ 28 فبراير الماضي، وبداية الهجوم الإيراني العدواني، ودول المجلس تعمل كخلية نحل في تنسيق كبير في مجالات متنوعة، وقال البديوي: نشعر بالفخر كمواطنين خليجيين بهذا التعاون والتنسيق غير المسبوق، وهذا جهد يستوجب تحية كبيرة للمسؤولين الخليجيين على جهودهم. ويرى البديوي أن دول العالم ترغب في التعاون مع دول المجلس، وهذه الأخيرة تلقت طلبات كثيرة للشراكة، فدول الخليج شريك أساسي في الطاقة وسلاسل الإمداد.
وأثناء الحوار، قدم البديوي بيانات عن الناتج القومي لدول الخليج العربية، مؤكداً ارتفاع نسبة المكون غير النفطي لنسبة بلغت 78 في المائة في بعض دول المجلس.
وأضاف البديوي أن اللقاء التشاوري الاستثنائي لدول المجلس المنعقد في 28 أبريل الماضي، اتخذ قرارات مهمة للاستفادة من دروس الاعتداءات الإيرانية، وفي الربع الثالث من هذا العام سيتم تقديم دراسات عن زيادة التعاون اللوجستي والممرات البديلة لتصدير الطاقة والربط المائي بين دول المجلس، والاستفادة من بعض الدول لتوفير مساحات لتخزين الطاقة، وتعزيز الربط الكهربائي بين الدول الأعضاء. وعن مستقبل مضيق هرمز، أجاب البديوي أن قرار مجلس الأمن رقم 2817 يحدد مآلات الأمور في المضيق، من خلال الاتفاقية الدولية لقانون البحار، وتحديد المسارات والممرات الدولية حق للجميع، فنحن لا نعيد اكتشاف العجلة والقانون الدولي موجود، ونطالب بتفعيله.
شريك موثوق
واختتم البديوي حواره مؤكداً أن المجتمع الدولي يدرك فخر دول الخليج بمكانتها الدولية؛ وذلك بفضل ما أنجزته قياداتها الرشيدة، هذه الدول شريك عالمي موثوق لديها استثمارات بمئات المليارات في الخارج، ولدينا قصص نجاح عظيمة، ونحن فخورون بشبابنا فهم ثروتنا الحقيقية.
«واقع جيو اقتصادي جديد»
توصلت جلسة رئيسية بعنوان «واقع جيو اقتصادي جديد: الخليج والعالم في عصرالتحولات»، وشارك فيها عبدالعزيز العبيدلي، مدير عام الشؤون التنظيمية في دائرة الطاقة، ود. سمير ساران، رئيس مؤسسة أوبزيرفر للأبحاث بالهند، وروبرت فاس مؤسس سجلوبسيك» في سلوفاكيا. ود. رالف فيجرت، رئيس قسم التنبؤات الاقتصادية بوكالة «إسآند بي جلوبال» الألمانية، إلى استنتاجات، أهمها أن أمن الطاقة يتعلق بمرونة المنظومة وقدرتها على الصمود، لا بالطاقة الإنتاجية وحدها، وهذا يعني ضرورة تصميم البنية التحتية الحيوية بما يتيح استباق الاضطرابات، وضمان استمرارية العمل.

جلسات متزامنة
شهدت فعاليات اليوم الأول جلسات متزامنة، من أهمها: جلسة بعنوان «تكلفة الردع من يتحمل تبعات الحرب القادمة؟»، شارك فيها اللواء الركن طيار متقاعد خالد عبدالله البوعينين، مستشار في مكتب القائد الأعلى للقوات المسلحة، والفريق أول ستيفانو مانينو، رئيس المركز الإيطالي للدراسات الدفاعية العاليا- إيطاليا، والدكتورة ليزا سوم مانينج، مدير مشارك ببرنامج الأمن الدولي وسياسات الدفاع بمؤسسة راند الأميركية، ود. وارين أنتوني تشن، مدير برنامج الدفاع والأمن بأكاديمية ربدان. وجلسة عن «مضيق هرمز ما بين سيادة القانون وصراع القوى». وتتواصل أعمال المنتدى اليوم عبر جلسات تتناول قضايا التنافس على النفوذ في النظام الجيوتكنولوجي الجديد.
شراكة
في تصريح خاص لـ«الاتحاد»، أكد الفريق البحري المتقاعد جون دبليو «فُوزي»، رئيس مجموعة فوزي ميلر بالولايات المتحدة، أن الإمارات أبلت بلاء حسناً في التصدي للهجوم الإيراني العدواني، فالجميع يعلمون أن الإمارات تلقت العدد الأكبر من هذه الهجمات الصاروخية مقارنة بأي بلد آخر في المنطقة، وكان هذا تحدياً لأي بلد في الدفاع عن نفسه، فالإمارات والولايات المتحدة شريكان في المنطقة منذ وقت طويل جداً، وتتواصل هذه الشراكة في المستقبل لضمان الأمن في الخليج.
حل الدولتين
في جلسة حوارية أدارتها مينا العريبي، بعنوان «نحو مستقبل جديد: هل يمكن لإعمار غزة أن يحيي حل الدولتين؟»، أكد نيكولاي ملادينوف، الممثل السامي لمجلس السلام في غزة، مدير عام أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية، أهمية أن تتضمن خطة الرئيس ترامب الشاملة في غزة العودة إلى المسار السياسي، وتعزيز الاندماج الإقليمي الأوسع للفلسطينيين والإسرائيليين. ورغم الصعوبات الراهنة، فإن مواصلة التركيز على هذا المسار، وترسيخ الاستقرار، يمكن أن يساعدا الإسرائيليين والفلسطينيين على الابتعاد عن حافة الهاوية.