الأربعاء 9 سبتمبر 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
علوم الدار

الإمارات وألمانيا.. 54 عاماً من الثقة والحوار

الإمارات وألمانيا.. 54 عاماً من الثقة والحوار
9 سبتمبر 2026 01:42

هالة الخياط (أبوظبي)

تمضي العلاقات بين دولة الإمارات العربية المتحدة، وجمهورية ألمانيا الاتحادية نحو مرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية، مستندة إلى أكثر من خمسة عقود من العلاقات الدبلوماسية، ورصيد متنامٍ من الثقة والتنسيق والحوار، فيما تمثل زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، إلى ألمانيا محطة مهمة للبناء على ما تحقق، وتوسيع آفاق التعاون وتعزيز الروابط بين البلدين والشعبين.
وتكتسب الزيارة أهميتها في ظل ما وصلت إليه العلاقات الإماراتية الألمانية من مستوى متقدم، بعد مسيرة امتدت لأكثر من 54 عاماً، انتقلت خلالها من العلاقات الدبلوماسية التقليدية إلى شراكة استراتيجية متعددة المسارات، تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة والحوار والتعاون الدولي، وتتطلع إلى مرحلة أكثر شمولاً في مواجهة التحديات واستشراف فرص المستقبل.

تعود العلاقات الدبلوماسية بين الإمارات وألمانيا إلى عام 1972، بعد أشهر قليلة من قيام الاتحاد، لتبدأ منذ ذلك التاريخ مسيرة متواصلة من التقارب والتعاون. وافتتحت الإمارات أول سفارة لها في ألمانيا في مدينة بون عام 1976، قبل انتقالها إلى برلين بعد إعادة توحيد ألمانيا، فيما عزز افتتاح القنصلية العامة للدولة في ميونيخ عام 1997 الحضور الدبلوماسي الإماراتي والتواصل بين البلدين.

شراكة استراتيجية
شكّل عام 2004 محطة محورية في مسار العلاقات الإماراتية الألمانية، مع توقيع اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الثنائية، التي أرست إطاراً أكثر مؤسسية وشمولاً للعلاقات بين البلدين، أعقبتها خطوات إضافية لتعزيز الشراكة خلال عامي 2019 و2022.
وأسهم هذا المسار في ترسيخ قاعدة متينة للعلاقات الثنائية والبناء على ما تحقق على مدى السنوات الماضية، بما يفتح المجال أمام الارتقاء بالشراكة إلى مستويات أوسع واستشراف مجالات جديدة للتعاون خلال المرحلة المقبلة.
وفي عام 2019، شهدت العلاقات دفعة جديدة خلال زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان إلى برلين، حيث اتفق البلدان على توسيع نطاق الشراكة الاستراتيجية، وتعزيز الحوار السياسي والتعاون في عدد من المجالات ذات الاهتمام المشترك.
وعززت هذه المحطات طبيعة العلاقة التي تجمع الدولتين، باعتبارها شراكة تقوم على الثقة والاحترام المتبادل والانفتاح والحوار، وتتطور بالتوازي مع التحولات الإقليمية والدولية، وتستند إلى تطلع مشترك نحو بناء علاقات طويلة الأمد قادرة على مواكبة المتغيرات والتحديات.

محطات رفيعة المستوى
ولعبت الزيارات المتبادلة على مستوى القيادتين وكبار المسؤولين دوراً محورياً في تطوير العلاقات الإماراتية الألمانية ودفعها إلى مستويات أكثر تقدماً.
وشكلت زيارة صاحب السمو رئيس الدولة إلى ألمانيا عام 2019 محطة بارزة في هذا المسار، وأسهمت في إعطاء دفعة للشراكة الاستراتيجية وتوسيع مجالات الحوار والتعاون.
كما استمرت الزيارات واللقاءات الرسمية خلال السنوات التالية، وصولاً إلى عام 2026 الذي شهد زخماً لافتاً في التواصل بين البلدين، في مؤشر على الحرص المتبادل على استمرار الحوار والتنسيق على أعلى المستويات.
وتأتي زيارة صاحب السمو رئيس الدولة الحالية لتضيف محطة جديدة إلى هذا المسار، وتفتح المجال للبناء على ما تحقق خلال العقود الخمسة الماضية، والانتقال بالعلاقات إلى مرحلة جديدة تتناسب مع التحولات التي يشهدها العالم.

حوار سياسي
ويمثل التنسيق السياسي أحد المرتكزات الرئيسة للعلاقات بين أبوظبي وبرلين، إذ حافظ البلدان على قنوات مستمرة للحوار وتبادل الزيارات على المستويات العليا، إلى جانب التشاور حول عدد من القضايا الإقليمية والدولية.
وتلتقي الإمارات وألمانيا حول أهمية الحوار والتعاون الدولي ودعم الاستقرار في أوروبا والشرق الأوسط وعلى المستوى العالمي، وهي مرتكزات تكتسب أهمية متزايدة في ظل التطورات الجيوسياسية المتسارعة والتحديات التي تواجه الأمن والاستقرار الدوليين.
وتنظر الدولتان إلى استمرار التواصل بين الشركاء الموثوقين بوصفه أداة أساسية للتعامل مع التحديات الدولية، خصوصاً في ظل تشابك الملفات السياسية والأمنية والإنسانية وتزايد الحاجة إلى التنسيق والعمل المشترك.
وشهد عام 2026 زخماً في التواصل السياسي بين البلدين، من خلال سلسلة من الزيارات واللقاءات رفيعة المستوى، التي تناولت العلاقات الاستراتيجية والتطورات الإقليمية والدولية، وسبل تعزيز الأمن والاستقرار واعتماد الحلول الدبلوماسية.

الأمن والاستقرار
وتجاوزت الشراكة الإماراتية الألمانية على مدار السنوات إطار العلاقات الثنائية، لتكتسب بعداً إقليمياً ودولياً يرتبط بدور الدولتين في دعم الحوار وتعزيز الأمن والاستقرار.
ويبرز هذا الجانب بصورة خاصة في ظل ما يشهده العالم من تحولات جيوسياسية متسارعة، إذ يشترك البلدان في إدراك أهمية الشراكات الموثوقة والتواصل المستمر بين الدول للتعامل مع التحديات التي تواجه الأمن والاستقرار العالميين.
كما تكتسب العلاقات الإماراتية الألمانية أهمية ضمن إطار أوسع للعلاقات بين دولة الإمارات وأوروبا، بما يعكس تنامي دور الإمارات شريكاً استراتيجياً موثوقاً، وقدرتها على بناء جسور للتواصل والتعاون بين منطقة الشرق الأوسط والقارة الأوروبية.
وعلى مدار السنوات الماضية، شكل الالتزام بالحوار والحلول السياسية والتعاون الدولي مساحة مشتركة بين البلدين، بالتوازي مع التأكيد على أهمية المؤسسات الدولية والقانون الدولي والعمل متعدد الأطراف في التعامل مع القضايا والتحديات العالمية.

تعاون إنساني
ويشكل العمل الإنساني أحد المسارات المهمة في العلاقات الإماراتية الألمانية، انطلاقاً من التزام مشترك بأهمية الاستجابة للأزمات الإنسانية وتعزيز التعاون الدولي لمساعدة المجتمعات المتضررة.
وتتقاطع توجهات البلدين في التأكيد على أهمية إيصال المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين، وتعزيز الاستجابة الدولية للأزمات، واحترام مبادئ القانون الدولي الإنساني، بما يعكس اتساع نطاق الشراكة ليشمل قضايا ذات تأثير مباشر في حياة المجتمعات والشعوب.
وتزداد أهمية هذا المسار في ظل تعدد الأزمات الإنسانية عالمياً، وما تفرضه من حاجة إلى تعزيز التنسيق بين الدول والمؤسسات الدولية لضمان فاعلية الاستجابة الإنسانية، ووصول المساعدات إلى الفئات الأكثر احتياجاً.

الثقافة والتواصل
ويشكل التقارب الثقافي والتواصل بين الشعبين بعداً مهماً في العلاقات الإماراتية الألمانية، إذ حرص البلدان على توسيع التعاون الثقافي وتعزيز قيم التسامح والتعايش والقبول، إلى جانب الاهتمام بحماية التراث الثقافي وتعزيز التبادل المعرفي.
ويسهم هذا المسار في توسيع قاعدة العلاقات لتتجاوز الأطر الحكومية والرسمية إلى بناء جسور مباشرة بين المجتمعين، بما يدعم التفاهم المتبادل، ويعزز استدامة العلاقات على المدى الطويل.
ويحظى التواصل بين الشعبين بمكانة متقدمة ضمن مسار تطوير الشراكة، انطلاقاً من أن العلاقات الاستراتيجية المستدامة لا تقوم فقط على التنسيق بين المؤسسات، وإنما تستند كذلك إلى روابط ثقافية وتعليمية وإنسانية قادرة على تعميق المعرفة المتبادلة.

التعليم والمعرفة
وشكل التعليم والتبادل الأكاديمي والبحث العلمي أحد مسارات التقارب بين الإمارات وألمانيا، مستفيداً من المكانة التي يتمتع بها البلدان في مجالات التعليم والعلوم والبحث والتطوير. وتوفر العلاقات الأكاديمية والتبادل المعرفي مساحة مهمة لتعزيز الروابط بين الأجيال الجديدة، وتطوير المهارات والكفاءات، وتبادل الخبرات في المجالات العلمية والبحثية، بما يضيف بعداً طويل الأمد إلى الشراكة.
ويكتسب هذا الجانب أهمية متزايدة مع التحولات العالمية المتسارعة التي تجعل المعرفة والعلوم والتكنولوجيا والابتكار عناصر أساسية في بناء مستقبل الدول، الأمر الذي يفتح آفاقاً أمام توسيع الشراكات بين المؤسسات الأكاديمية والبحثية في البلدين.

التكنولوجيا والابتكار
وتبرز التكنولوجيا والابتكار والتحول الرقمي ضمن المجالات الواعدة لتعميق العلاقات خلال المرحلة المقبلة، في ظل القدرات المتقدمة التي يمتلكها البلدان والاهتمام المشترك بالعلوم والبحث والتطوير والتقنيات الحديثة.
ويمثل التقاء الخبرات الألمانية المتقدمة في التكنولوجيا والبحث والتطوير مع توجه دولة الإمارات نحو بناء قطاعات قائمة على المعرفة والابتكار قاعدة يمكن البناء عليها لتطوير مجالات جديدة للتعاون العلمي والتكنولوجي.
وتتطلع الدولتان إلى توسيع التعاون في مجالات تشكل ملامح المستقبل، ومن بينها الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية والتقنيات المتقدمة، بما يعكس حرصاً مشتركاً على الاستفادة من التطور التكنولوجي، وتعزيز القدرة على التعامل مع متطلبات المستقبل.

المناخ والاستدامة
كما يمثل المناخ والاستدامة أحد المسارات المهمة في العلاقات بين البلدين، في ظل الاهتمام المشترك بالعمل المناخي والتقنيات المرتبطة بحماية البيئة ومواجهة آثار التغير المناخي.
وتطورت أطر التعاون في هذا المجال على مدار السنوات الماضية، بالتوازي مع تنامي الدور الذي تلعبه القضايا البيئية في السياسات الدولية، وتزايد الحاجة إلى حلول مبتكرة تساعد المجتمعات على التكيف مع آثار التغير المناخي. ويعكس التعاون في مجالات الطاقة المتجددة والهيدروجين وتكنولوجيا المناخ والتحول الرقمي تطلعاً مشتركاً إلى بناء مجتمعات أكثر استدامة وابتكاراً وقدرة على التكيف، والاستفادة من التقنيات المتقدمة في مواجهة تحديات المستقبل.

مسار تصاعدي 

منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية عام 1972 وحتى عام 2026، قطعت العلاقات الإماراتية الألمانية مسيرة تجاوزت 54 عاماً، شهدت انتقالها من التمثيل الدبلوماسي والتعاون الثنائي إلى شراكة استراتيجية ذات أبعاد سياسية ودولية وإنسانية وثقافية وعلمية.
وتكشف المحطات التي مرت بها العلاقة عن مسار تصاعدي؛ بدءاً من إقامة العلاقات الدبلوماسية، مروراً باتفاقية الشراكة الاستراتيجية عام 2004، وتوسيع أطرها خلال عامي 2019 و2022، وصولاً إلى الزخم المتنامي في التواصل على مستوى القيادتين وكبار المسؤولين.
وتأتي زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، إلى ألمانيا لتشكل خطوة مهمة في هذا المسار، ليس فقط لتعزيز الشراكة القائمة، وإنما لاستشراف مرحلة جديدة من العلاقات بين دولتين تجمعهما رؤية مشتركة لأهمية الحوار والتعاون والابتكار والاستدامة، ودور الشراكات الدولية في تعزيز الأمن والاستقرار.
كما تجسد الزيارة المكانة العالمية المتنامية لدولة الإمارات ودورها شريكاً استراتيجياً موثوقاً، وحرصها على بناء علاقات متوازنة ومستدامة مع القوى المؤثرة دولياً، بما يعزز قدرتها على الإسهام في مواجهة التحديات المشتركة وترسيخ الحوار والتعاون بين الشرق الأوسط وأوروبا والعالم.

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©