الإثنين 28 سبتمبر 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
علوم الدار

محمد علي الشرفا يكتب: 10 مرتكزات ترسم مستقبل التنمية الحضرية

محمد علي الشرفا يكتب: 10 مرتكزات ترسم مستقبل التنمية الحضرية
28 سبتمبر 2026 01:11

في القرن الحادي والعشرين، لم يَعُد السؤال الذي يحدّد نجاح المدن هو: كم طريقاً شيّدت؟ وكم جسراً أنجزت؟ وكم مبنى أضافت إلى أفقها العمراني؟ فهذه المشروعات، على أهميتها، لم تَعُد وحدها كافية للحكم على قدرة مدينة ما على النجاح والتقدم. السؤال الأهم اليوم هو: كيف انعكس كل ذلك على حياة الإنسان؟
هنا تحديداً تتغير معايير النجاح الحضري، فالمدينة الناجحة ليست بالضرورة تلك التي تمتلك أكبر المشروعات أو أكثرها كلفة، بل التي تنجح في تحويل استثماراتها إلى حياة أفضل لسكانها، وفرص أوسع لمجتمعها، واقتصاد أكثر تنافسية، وبيئة حضرية أكثر ترابطاً واستدامة.
ومن هذا التحول، تتشكل نظرة مختلفة إلى التخطيط الحضري، نظرة تتجاوز بناء الطرق والمرافق والأحياء إلى بناء تجربة متكاملة للحياة داخل المدينة. فالقيمة الحقيقية لأي مشروع لا تتوقف عند ما يضيفه إلى المشهد العمراني، وإنما تمتد إلى ما يضيفه إلى حياة الناس: هل جعل تنقُّلهم أسهل؟ وأحياءهم أكثر حيوية؟ ومساحاتهم العامة أكثر قرباً منهم؟ وهل خلق بيئة تجذب المواهب والاستثمارات، وتمنح الإنسان في الوقت نفسه شعوراً أكبر بالانتماء والراحة والرفاه؟
هذه الرؤية تُشكّل جوهر تجربتنا في أبوظبي، حيث نعمل على بناء مدينة تتمحور حول الإنسان، وننظر إلى البنية التحتية والتنقل والإسكان والمساحات العامة والتكنولوجيا والاستدامة باعتبارها منظومة واحدة. فالطريق ليس مجرد وسيلة للانتقال، والحديقة ليست مجرد مساحة خضراء، والمسكن ليس مجرد مبنى، بل جميعها عناصر تؤثّر في الصحة والوقت والإنتاجية والتواصل الاجتماعي والشعور بالانتماء، وفي قدرة المدينة على استقطاب المواهب والاستثمارات.
ويأتي معرض جودة الحياة والاستثمار «ليفكس 2026» ليمنح هذه الرؤية بُعداً عالمياً، ويجمع في أبوظبي صنَّاع القرار والمستثمرين وقادة الأعمال والمطورين والخبراء والمبتكرين لمناقشة سؤال أصبح أكثر أهمية: كيف يمكن للمدن أن تحقق النمو الاقتصادي، وفي الوقت ذاته تجعل حياة الإنسان أفضل؟ 

جودة الحياة قيمة اقتصادية
أول ما ينبغي أن ندركه هو أن جودة الحياة لم تَعُد نتيجة جانبية للازدهار الاقتصادي، بل أصبحت أحد محرّكاته، فالمستثمر ينظر اليوم إلى منظومة متكاملة تشمل كفاءة البنية التحتية، وسهولة التنقل، وجودة الخدمات، والبيئة التنظيمية، والتكنولوجيا، والتعليم والصحة والثقافة، إلى جانب قدرة المدينة على استقطاب الكفاءات والمحافظة عليها.
وفي ضوء هذا الترابط، يُعد الاستثمار في جودة الحياة هو استثمار في تنافسية المدينة نفسها. وكلما كانت المدينة أكثر كفاءة ومرونة وسهولة للعيش والعمل، ارتفعت قدرتها على جذب رأس المال والأعمال والمواهب.
وثاني هذه المرتكزات هو تهيئة البيئة التي تحوّل الاستثمار إلى قيمة طويلة الأجل، وقد نجحت أبوظبي في تطوير بنية تحتية متقدمة وبيئة استثمارية مستقرة، بالتوازي مع توسيع الفرص أمام القطاع الخاص والمستثمرين الدوليين. لكن القيمة الحقيقية لهذه المؤشرات لا تكمن في الأرقام وحدها، وإنما فيما تعكسه من ثقة في المدينة ومستقبلها. 

البنية التحتية تبدأ بالإنسان 
أما المُرتكز الثالث، فهو إعادة تعريف البنية التحتية باعتبارها خدمة للإنسان قبل أن تكون أصلاً مادياً، فالهدف ليس بناء المزيد، وإنما بناء ما يحتاج إليه المجتمع، في المكان المناسب، وبالكفاءة المناسبة، وبطريقة تحقق أثراً قابلاً للقياس في جودة الحياة.
ويرتبط بذلك مُرتكَز رابع يتمثل في قابلية المشي وسهولة الوصول والترابط بين الأحياء والخدمات. فمدينة المستقبل هي المدينة التي تقلل المسافات بين الإنسان واحتياجاته، وتمنحه خيارات متنوعة وآمنة ومريحة للتنقل، وتعيد للمساحات العامة دورها في بناء مجتمعات أكثر نشاطاً وتواصلاً.
والمرتكز الخامس هو التنقل الذكي والمتكامل، فمستقبل الحركة داخل المدن لن يعتمد على وسيلة واحدة، وإنما على منظومة تربط النقل العام والمشي والتنقل المصغّر والمركبات الذكية وذاتية القيادة، وتستخدم البيانات لتحسين الحركة ورفع الكفاءة والسلامة. 

مدن تفكر قبل أن تتحرك
ويقودنا ذلك إلى المُرتكز السادس: البيانات والذكاء الاصطناعي كبنية تحتية جديدة للمدينة، فالمستقبل لا يتعلق فقط برقمنة الخدمات، وإنما بقدرة المدينة على فهم احتياجاتها والتنبؤ بها واتخاذ قرارات أكثر دقة.
وتستثمر حكومة أبوظبي 13 مليار درهم ضمن استراتيجية الحكومة الرقمية 2025–2027، التي تشمل تطبيق أكثر من 200 حل للذكاء الاصطناعي، ومن المتوقع أن تسهم بأكثر من 24 مليار درهم في الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2027. وهذا التحول يوضح كيف أصبحت البنية التحتية الرقمية جزءاً أساسياً من جودة الحياة والتنافسية الاقتصادية.
أما المرتكز السابع فهو الاستدامة والمرونة المناخية، فمدن المستقبل يجب ألا تكون أكثر ذكاءً فحسب، وإنما أكثر قدرة على التكيف مع التغيرات المناخية، وأكثر كفاءة في استخدام الطاقة والمياه والموارد، وأن تدمج الطبيعة والاستدامة في تصميم الأحياء والبنية التحتية والمساحات العامة. 

من المشاريع إلى المجتمعات 
ويتمثل المرتكز الثامن في الانتقال من تطوير المشاريع إلى بناء المجتمعات، فالنجاح لا يقاس فقط بعدد الوحدات السكنية أو المرافق المنجزة، وإنما بقدرتنا على بناء أحياء يجد فيها الإنسان احتياجاته اليومية، ومساحاته الخضراء، وفرص ممارسة الرياضة والتواصل، والخدمات التي تدعم مختلف مراحل حياته.
وتكتمل هذه الرؤية في مرتكزها التاسع بالشراكة مع القطاع الخاص، إذ لم تَعُد التحديات التي تواجه المدن، ولا الفرص التي تتيحها، شأناً تستطيع جهة واحدة التعامل معه بمفردها. فمدن المستقبل تحتاج إلى منظومة تجمع الحكومة والمستثمر والمطور وشركات التكنولوجيا والمؤسسات الأكاديمية والمجتمع، وتحوّل الابتكار من فكرة إلى مشروع، ومن المشروع إلى أثر مستدام.
وهنا تبرز أهمية «ليفكس». فنحن لا نريده معرضاً لعرض ما تحقق فقط، بل منصة لصناعة ما سيأتي بعده، مكاناً تلتقي فيه احتياجات المدن مع رأس المال والتكنولوجيا والخبرة، وتتحول فيه الحوارات إلى شراكات وحلول قابلة للتطبيق. 

أبوظبي منصّة عالمية لمستقبل المدن 
وكمُرتكز رئيسي يجمع هذه التوجهات، يبرز تعزيز دور أبوظبي في صياغة الحوار العالمي حول مستقبل المدن وجودة الحياة. فالمدن اليوم أمام مرحلة تتطلب نماذج تنموية جديدة تحقق التوازن بين النمو الاقتصادي واحتياجات الإنسان والاستدامة. وبما راكمته أبوظبي من خبرات في التخطيط والبنية التحتية والاستثمار والتكنولوجيا، وما حققته من تقدم في جودة الحياة، فإنها تمتلك المقومات التي تؤهّلها ليس فقط للمشاركة في هذا الحوار، بل للإسهام بفاعلية في صياغته وتشكيل توجهاته المستقبلية.
لهذا يحمل انعقاد معرض جودة الحياة والاستثمار «ليفكس 2026» في أبوظبي رسالة تتجاوز حدود المعرض وأيامه الثلاثة. إنه دعوة إلى إعادة التفكير في الغاية النهائية من التنمية الحضرية، وفي العلاقة بين رأس المال والمكان والإنسان.
ونحن ننظر إلى المستقبل، فإن طموحنا لا يتمثل في بناء مدينة أكثر تطوراً تقنياً فحسب، بل في بناء مدينة تفهم الإنسان قبل أن تُخطّط له، وتتنبأ باحتياجاته قبل ظهورها، وتستخدم التكنولوجيا لخدمته، وتجعل الاستثمار شريكاً في تحسين حياته. فالمدينة الحقيقية ليست ما نبنيه حول الإنسان، وإنما ما نبنيه من أجله، وهذه هي الرحلة من بناء المدن إلى صناعة جودة الحياة.
*رئيس دائرة البلديات والنقل

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©