دينا جوني (أبوظبي)
مع اقتراب نهاية سبتمبر، واختتام شهر من الفعاليات التي احتفت بالمرأة الإماراتية، تتجاوز قصص إماراتيات اخترن خوض تجربة التعليم حدود المناسبة، لتكشف عن مسارات مختلفة تلتقي عند هدف واحد، وهو توظيف الخبرة والمعرفة والقيم الوطنية في إعداد أجيال المستقبل.
وتُقدّم تجارب مُشاركات في برنامجي «مداد» و«كن معلّم»، اللذين تنفّذهما دائرة التعليم والمعرفة – أبوظبي، نماذج لنساء إماراتيات حملن إلى البيئة التعليمية خبرات متنوعة اكتسبنها من الأسرة والعمل والحياة، وعزّزنها بمهارات تربوية ومهنية تؤهلهنّ للإسهام في تعليم الطلبة وبناء شخصياتهم.
ويأتي البرنامجان ضمن جهود دائرة التعليم والمعرفة – أبوظبي لتوفير مسارات متنوعة للراغبين في استكشاف مهنة التدريس والانضمام إليها. ويتيح «مداد» للمشاركين اكتساب أساسيات التدريس وإدارة الصف وتوظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في التعليم، فيما يقدّم «كن معلّم» دبلوم دراسات عليا معتمداً يجمع بين التأهيل الأكاديمي والتطبيق العملي، بما يسهم في إعداد كوادر تعليمية مؤهلة وتعزيز حضور الكفاءات الوطنية في المؤسسات التعليمية. كما يحظى المشاركون المتميزون في «مداد» بفرصة التقديم على منحة للالتحاق ببرنامج «كن معلم».
وتعكس قصص المُشاركات أبعاداً مختلفة لهذه الرحلة. فبالنسبة إلى شرينة البلوشي، المشاركة في برنامج «كن معلم»، جاء دخول مجال التعليم امتداداً لتجربتها كأم، إذ منحتها الأمومة فهماً أعمق لاحتياجات الأطفال، وأظهرت لها أن لكل طفل شخصيته وطريقته الخاصة في التعلم.
وترى شرينة أن دور المعلم يتجاوز نقل المعرفة إلى بناء شخصية الطالب وتعزيز ثقته بنفسه وغرس القيم لديه، وهو ما عزّزته تجربتها في البرنامج من خلال تعميق فهمها لاحتياجات الطلبة، ومراعاة الفروق الفردية بينهم، وتهيئة بيئة صفية آمنة ومحفّزة.
وفي السياق نفسه، ترى خولة محمد الياسي، المشاركة في برنامج «مداد»، أن الأمومة زوّدتها بمهارات يمكن نقلها إلى البيئة التعليمية، من الصبر وتحمُّل المسؤولية إلى فهم اختلاف شخصيات الأطفال. وتقول إن التجربة جعلتها أكثر إدراكاً لقيمة الحوار والتشجيع ومنح الطفل مساحة للتفكير وطرح الأسئلة والتعبير عن أفكاره.
وتؤكد خولة أن «الأمومة لا تقف أمام الطموح المهني، بل قد تكون مصدراً للكثير من المهارات والخبرات»، معتبرةً أن ما تكتسبه المرأة من تجارب في مراحل حياتها المختلفة يمكن أن يفتح أمامها مسارات جديدة للمساهمة في مجتمعها.
الهوية الوطنية
وتحضر الهوية الوطنية والقيم الإماراتية بقوة في تجربة مريم صالح المنصوري، المشاركة في برنامج «كن معلم»، التي تقول: «اللغة العربية هي قلب الهوية الوطنية، والتعليم يسهم في غرسها وتعزيز القيم والانتماء لدى الأجيال القادمة».
وترى مريم أن وجود الكفاءات الوطنية في البيئة التعليمية يسهم في ترسيخ الهوية والقيم الإماراتية ونقل الموروث الشعبي وقيم «السنع الإماراتي» إلى الأجيال منذ مراحلهم الأولى.
وقد غيّر البرنامج نظرتها إلى دور المعلّم، فلم تَعُد تراه ناقلاً للمعرفة فحسب، وإنما داعم للطالب وموجّه له خلال رحلة التعلم، مع مراعاة جوانبه الأكاديمية والنفسية والاجتماعية.
وامتد أثر تجربة مريم بين البيت والصف، فكما استفادت من تجربتها كأمٍّ في رحلتها التعليمية، انعكس ما تعلّمته في البرنامج على أُسرتها أيضاً، إذ بدأت تطبيق أنشطة مع بناتها تشجع على الاستكشاف والتفكير وتنمية المهارات اللغوية.
خبرات مهنية
وتقدم بدرية محمد الحمادي، المُشاركة في برنامج «مداد»، مساراً مختلفاً نحو التعليم. فبعد سنوات من الخبرة في المجالين المالي والقيادي، وجدت في البرنامج فرصة لنقل ما اكتسبته من معرفة وتجارب عملية إلى بيئة التعلم ودعم الطلبة. وتربط بدرية دورها في التعليم بالقيم التي نشأت عليها، قائلة: «نحن عيال زايد، نطبّق إرث زايد ونعكس أخلاق المؤسِّس، طيّب الله ثراه».
وترى أن الخبرات المهنية يمكن أن تُثري البيئة التعليمية من خلال ربط التعلم بالحياة الواقعية، وغرس قيم الانضباط والتخطيط والمسؤولية، وتشجيع الطلبة على حل المشكلات واتخاذ القرارات بثقة.
توظيف التكنولوجيا
وتتفق المشاركات على أهمية توظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي بوعي ومسؤولية داخل البيئة التعليمية. وتلخّص شرينة رؤيتها بالقول إنها أصبحت تحرص على «أن تكون التكنولوجيا وسيلة للتعلم والبحث والإبداع، وليست بديلاً عن التفكير أو الجهد الشخصي».
وترى المُشاركات أن الاستخدام المناسب لهذه الأدوات يمكن أن يدعم البحث والتعلم والإبداع، ويساعد الطلبة على تنمية قدراتهم على التحليل وطرح الأسئلة والاستفادة من التقنية بصورة أكثر فاعلية.
وعلى اختلاف تجاربهن ومساراتهن، تكشف المشاركات عن مساحة أوسع لحضور المرأة الإماراتية في التعليم، حضور يستند إلى المعرفة الأكاديمية، مع الاستفادة من خبراتها الأسرية والمهنية والاجتماعية، وتوظيفها في بناء علاقة أكثر قُرباً بالطلبة وتعزيز قيم الهوية والانتماء لديهم.
أثر
ومع انقضاء شهر الاحتفاء بالمرأة الإماراتية واستمرار العام الدراسي، يبقى أثر هذه التجارب ممتداً في الصفوف والبيوت. فإسهام المرأة في التعليم يتجدد مع كل طالب تسهم في بناء شخصيته، وكل معرفة تنقلها، وكل قيمة تغرسها في جيل يستعد للمستقبل.