رغم اعتماد صناعة التأمين التقليدي على تجنب المخاطر، فإن الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل هذه الصناعة بشكل جذري.
أصبح الذكاء الاصطناعي أداة محورية في حساب المخاطر المعقدة وفي تحسين تواصل شركات التأمين مع العملاء. ورغم أن نحو 80% من شركات التأمين بدأت بتبني تقنيات الذكاء الاصطناعي، إلا أن كثيرًا منها يعترف بعدم تحقيق زيادات ملموسة في الأرباح حتى الآن.
الخبراء يؤكدون أن امتلاك التكنولوجيا وحده لا يكفي، وإنما الدمج الحقيقي للذكاء الاصطناعي في العمليات اليومية هو الذي يصنع الفارق.
وتأتي أكبر التحولات في مجال معالجة المطالبات، حيث ساهم الذكاء الاصطناعي في تبسيط الإجراءات التي كانت تستغرق أسابيع. ففي 2021، نجحت شركة «ليمونيد» في تسوية أكثر من ثلث مطالباتها خلال ثلاث ثوانٍ فقط دون تدخل بشري. وشهدت شركة تأمين سفر كبرى في الولايات المتحدة تحوّلًا من نظام يدوي إلى ذكي بنسبة 57%، مما خفّض زمن معالجة المطالبات من أسابيع إلى دقائق.
تحليل مخاطر متقدم
ليس السرعة فقط هي الميزة، بل أيضًا الدقة، إذ يقلل الذكاء الاصطناعي الأخطاء البشرية المكلفة التي تؤدي إلى تسرب المطالبات بنسبة تصل إلى 30%، ما يسمح لمعدلي المطالبات بالتعامل مع 40-50% أكثر من الحالات، مع تركيز أفضل على القضايا المعقدة التي تحتاج تدخلًا بشريًا.
وعلى صعيد تحديد المخاطر، يوفر الذكاء الاصطناعي قدرة تحليلية غير مسبوقة عبر دمج بيانات متعددة المصادر مثل تقنية الـ «التليماتيكس» التي تسمح بجمع معلومات دقيقة، ونقاط الائتمان، مما يساعد في إعداد تقارير مبدئية دقيقة وتسعير أكثر عدلاً يعكس الظروف الفردية للعملاء. على سبيل المثال، حسنت شركة «زيورخ» دقة تقييماتها بنسبة 90% باستخدام منصة إدارة مخاطر حديثة.
تعزيز ولاء العملاء
باتت عملية وضع السياسات أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع التهديدات المعقدة مثل الهجمات السيبرانية والتغير المناخي.
ولا تقتصر فوائد الذكاء الاصطناعي على العمليات الداخلية، بل يعيد أيضًا صياغة العلاقة مع العملاء. فروبوتات المحادثة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدم دعمًا مستمرًا وعلى مدار الساعة، مع تحسينات مستمرة عبر التعلم من التفاعلات. كما تمكن هذه التكنولوجيا من تخصيص الخدمات، مثل تذكير العملاء بتجديد وثائق التأمين واقتراح منتجات ملائمة، ما يعزز الولاء في قطاع يعاني من نسب عالية من عدم الرضا.
إضافة إلى ذلك، يلعب الذكاء الاصطناعي دورًا مهمًا في كشف عمليات الاحتيال، حيث يمكنه التعرف على أنماط غير مألوفة تقلل خسائر الغش بنسبة تصل إلى 40%.
اقرأ أيضا.. الذكاء الاصطناعي يحدث ثورة في مجال الهندسة المعمارية
ابتكار بدون برمجة
تدعم هذه التحولات ظهور منصات تطوير منخفضة الكود «low-code»، التي تسرّع إطلاق الخدمات الجديدة وتتيح لمستخدمين غير متخصصين بناء تطبيقات مبتكرة دون الحاجة لمعرفة تقنية عميقة، مع ضمان معايير أمان والتزام تنظيمي صارم.
وعلى المدى البعيد، لا يعد الذكاء الاصطناعي مجرد مشروع تقني، بل استراتيجية عمل أساسية، حيث شهدت الشركات التي تبنته مبكرًا زيادة في الاحتفاظ بالعملاء بنسبة 14% وارتفاعًا في مؤشرات رضاهم بنسبة 48%.
ويتوقع أن يتجاوز حجم سوق الذكاء الاصطناعي في التأمين 14 مليار دولار بحلول 2034، مع توقعات بإضافة تريليون دولار سنويًا لقيمة القطاع.
قد يهمك أيضا.. ثورة تعيد تشكيل العمران.. مدن المستقبل بلمسة الذكاء الاصطناعي
مستقبل بلا حدود
تبقى التحديات الأكبر في الجانب البشري والثقافي، لا التقنية، إذ أن البيانات غالبًا ما تكون محصورة في أنظمة قديمة تعيق الاستفادة الكاملة من الذكاء الاصطناعي.
ولذلك، يحتاج القطاع إلى قيادة واضحة ورؤية استراتيجية مع الالتزام بتغيير الثقافة المؤسسية وتدريب الموظفين على الاستفادة من التكنولوجيا.
الفائزون في عصر الذكاء الاصطناعي هم من يدمجون هذه التقنيات بفعالية في جوهر أعمالهم، مع إدراك أن النجاح يتطلب إعادة اختراع طريقة تقديم القيمة وبناء الثقة مع العملاء، وليس مجرد تحسين الأدوات القديمة.
أسامة عثمان (أبوظبي)