الخميس 5 فبراير 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
التعليم والمعرفة

عن رواية «جرح على جبين الرحالة ليوناردو».. تأمل فلسفي في معنى الألم

عن رواية «جرح على جبين الرحالة ليوناردو».. تأمل فلسفي في معنى الألم
24 أغسطس 2025 01:32

أحمد عاطف 

كيف يمكن للجرح الجسدي أن يتحوّل إلى مأوى روحي، وإلى صوت يتحدث باسم الذات، وربما نيابة عنها؟ هذا هو السؤال المفتاح لرواية «جرح على جبين الرحالة ليوناردو» للكاتب السوري المقيم في النمسا، ثائر الناشف، والذي لا يكتفي بتأمل فكرة الجرح بوصفه أثراً بيولوجياً، بل يغوص فيه باعتباره كينونة مستقلة، وروحاً تناقشنا، وتنتقل معنا، وتحاكم وعينا أمام مرآته.
الرواية تعكس سيرة مهاجر وسردية وجودية بطلها «عيسى الروماني»، الصحفي المهاجر، في عمل يمزج بين الواقعية السحرية والفانتازيا الميتافيزيقية، وتتحوّل الكتابة نفسها إلى شكل من أشكال التيقظ للجرح.
يقدم النص تأملاً فلسفياً في معنى الألم، في الزمن المنكسر، وفي الهوية المهاجرة بين اللغات والقرون، ومحاولة إجابة عن سؤال: هل نحن مَن نصنع جراحنا، أم أن جراحنا كانت تبحث عنّا منذ البداية؟
وقال ثائر الناشف لـ «الاتحاد»، عن عنوان الرواية: «إنه مستقى من صلبِ الحدث، ومرآة الواقع، ودورة الزمن، وجوهر الشخصيّة، فالجرح يمثّل الحدث، فيما الجبين المدمى هو المرآة العاكسة لأهوال الواقع المرير، أمَّا الرحلة فإنَّما تعبّر عن اتجاهات الزمن، بينما لا تلبث شخصيّة ليوناردو أن تّتحد روحيّاً مع جرح عيسى، فهذا الاتّحاد الاستثنائي الفريد شكّل جوهر النص المُتَمّم. 
وتطرق الناشف إلى شخصية عيسى الروماني، قائلاً: «الاسم يعبّر عن حالة التقاطع التاريخيّ والجغرافي من حيث المدلولات، فالروايةَ بمحتواها الفلسفيّ لم ترسم لوحة الاغتراب فحسب، بل رسمت أيضاً لوحة الألم الذي تسبَّبت فيه الغربة، فضلاً عن عدم الاستقرار المكاني والزماني، بحيث أصبح الألم، سواء أكان ألم البطل أو ألم الشخصيات، بمثابة الخيط الرفيع الذي نُسجت الرواية على منواله».
وأضاف:«في ما عكس الاغتراب حالتي الشتات الروحيّ والجسديّ اللتين ظهرتا بوضوح في سياق النص من خلال ارتحال بطلي الرواية «ليوناردو» و«عيسى الرومانيّ» إلى عوالم مادّيّة بحتة، مضمارها رحلات الزمن الحاضر، ورحلات روحانيّة خالصة قوامها التواصل مع جروح الآخرين، إذ أبحر جرحا عيسى المادي وليوناردو الروحيّ عميقاً في ماضي كُلِّ شخصيّة على حدة».  
وأفاد بأن الارتحال بهذا المعنى ليس هروباً من الغربةِ، إنّما تأكيد عليها وتمثيل حقيقيّ لمكابدها ومرارتها، علاوة على ذلك فإنَّ الارتحالَ بحدِّ ذاته رديف الألم، فلولاه ما كان للألم أن يظهر بجلاءٍ في سطورِ النص، وأن يرسم صورته النقيّة بواسطة الجرح الكائن على جبين بطلي الرواية.

تأثير الثقافة الغربية 
فيما يتعلق بتأثير الثقافة الغربية على الرواية، أوضح الناشف أن اللوحة التي رسمتها الرواية من خلال شخصية الشابّ المشرقيّ عيسى الرومانيّ، ولقائه الحتميّ بالرحّالة الإيطاليّ ليوناردو من شأنها أن تقدّم تعريفاً جديداً لعلاقة الشرق بالغرب من منظور الاستغراب الأدبيّ الموازي لمنظور الاستشراق. وعلى الرغم من الخوض والتعمّق الموضوعيّ في مضامين الثقافة الغربيّة، فإن الكاتب لا يستطيع إخفاء مقادير التأثّر بها، على الأقل فيما يتعلّق ببنية السرد ولغة الحوار الفلسفي.

الإمتاع بطريقة سحرية
يستند معمار الرواية إلى عنصر الإمتاع بطريقة سحرية، حسب وصف الكاتب، لا تخلو من الفانتازيا التاريخية والواقعية من جانب والرمزية من جانب آخر، فالإمتاع هنا جعل القارئ يرحل مع عيسى وليوناردو بجروحه المادية القديمة والروحية الحيّة. أمّا الفلسفة فهي إحدى أصوات المخطوطة المفقودة، فالقارئ والناقد هنا لا يقرأ نصوص ليوناردو وأقواله المأثورة عن فلسفة الجرح في الحياة، والتي نطقها لسان جرح عيسى وحملتها صفحات الرواية، بل إنه أنصت بإمعان ولهفة إلى صوت الجرح الصادر من حروف مخطوطة ليوناردو، وهو لا يزال يستذكر جروحه.

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©