محمد عبدالسميع
الحوار مع الشاعر والكاتب الإماراتي خالد البدور، هو حوار شائق ويحيلنا إلى زمن المتمسّكين بلغتهم وأدبهم ومن نشأوا مبكراً على محيطهم الأدبي والثقافي العربي والعالمي في الترجمات والقراءات وعصر المجلات والصحف الثقافية.
ولذلك، سنتناول في هذه الفقرات آخر إصدارات أو توقعات الكاتب البدور في القريب من الأيام، ونظفر بنصيحته للشباب في الحفاظ على لغتهم العربية، ونستعيد معه تأثره بوالده المحبّ للقراءة، ونسير في إرهاصات الكتابة ورؤيته للتراث الإماراتي الغني بالإبداع وجيل الشباب وشعر الحداثة، بالإضافة إلى تجربته الإعلامية، والتي جاءت مخاضاً لحضوره الأدبي والتراثي وإسهامه في تأسيس اتحاد كتاب الإمارات.
انطلق البدور في عالم الأدب بداية الثمانينات، وله مجموعات شعرية، منها: «ليل» التي نالت جائزة يوسف الخال عام 1992، و«حبر وغزل»، و«شتاء»، و«مطر على البحر»، كما أنتج عدداً من الأفلام الوثائقية في مجال التراث والثقافة المحلية.

يقول البدور: إنّ والده كان المؤثر الأول في حياته، حينما كان يأخذ مكاناً في البيت ويقرأ، ولذلك كانت الكتب التي بين يديه تفتح شهية البدور على القراءة، مستذكراً كتاب «جواهر الأدب» وما اشتمل عليه من مختارات الشعر الجاهلي والشعر المعاصر، فكان هذا الكتاب نافذةً له على الثقافة والأدب.
وجد البدور منذ نشأته تراثاً غنياً في الإمارات، فتعلق به وبالأغاني الشعبية والقصائد وعصر أشرطه الكاسيت، وبالتالي كانت تروق له الأشعار البدوية والشعبية، وكان الشعر أمامه بكل نضجه ومسيرة تطوّره، سواء الشعر النبطي أو الشعر الفصيح أو الحديث والمعاصر من الشعر، لافتاً إلى دور المناهج الدراسية في ذلك.
وفي الرابعة عشرة من عمره، كان البدور يكتب الشعر مقلداً من تأثّر بهم، مشيراً إلى الشعراء: بدر شاكر السيّاب، ونزار قباني، ومحمود درويش، وكذلك المتنبي، وأبي تمام، والبحتري، وأبي العتاهية، وغيرهم، كما يستذكر البدور السير الشعبية وتاريخ الأدب العربي، في قصائد عنتر بن شداد على سبيل المثال. كما قرأ البدور الأدب المصري والعراقي واللبناني وشعر البلاد العربية بعامة، مما أسهم في تكوينه الثقافي فيما بعد.
يؤكد البدور غنى الشعر النبطي والشعبي والأغاني الشعبية والفرق الفلكلورية بالمفردات والكنوز الثرية التي فتحت عينه على الإبداع، فكان يحفظ القصائد ويطلع عليها ويستمع إلى الأساطير والقصص والحكايات، لذلك لابدّ له أن يقرأ سيرة الماجدي بن ظاهر شاعر الإمارات وابن محين الشامسي ويعقوب الحاتمي، وغيرهم من الرواد الذين ملؤوا السمع والبصر في فترات سابقة.
يتحدث البدور عن قصيدة التفعيلة، والشعراء بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وأحمد عبد المعطي حجازي ونزار قباني ومحمود درويش وعبد الوهاب البياتي، فكان هذا التأثير طبيعياً كما يقول بالنسبة له ولجيله، فذهب يجرب الكتابة بالأساليب الحديثة، مستذكراً حركة الشعر الإماراتي الحديث في نهاية السبعينيات تقريباً أو منتصفها، أمام مدرسة الشعر القديم المقفى والموزون الفصيح، حيث برزت مدرسة التفعيلة في الشعر، ثم نصّ النثر.
كان للبدور حظ في تقديم البرامج الإذاعية التي تحمل تراث الإمارات، فاطلع من خلال هذه البرامج على تجارب شعرية نبطية وفصيحة غنية، ليكتسب زيادةً على موهبته الأصيلة تجارب جديدة، نحو أن يكون له أسلوب خاص في نهاية المطاف.
يرى البدور أنّ الشعر الإماراتي فيه موسيقى معينة، مؤكداً أنّ الأمم والشعوب تحتفظ بمداميكها الأولى في الثقافة، حيث وصل المبدع الإماراتي في الشعر إلى المنصات الأدبية العربية والعالمية، وقدّم نفسه بالمدرستين الكلاسيكية والحديثة، إضافةً إلى التجديد في القصيدة النبطية.
وفي حديثه عن تحديات الشعراء الشباب، يرى البدور أنها تحديات تتعلق باللغة العربية، موضحاً أنّ وسائل التواصل الاجتماعي قللت من الاهتمام باللغة العربية، وجعلتها ذات حضور أقلّ مما كان في السابق، خصوصاً أنّ هذه اللغة باتت وسيلة تعبير بسيطة، وهو ما يمكن أن يؤثر عليها ويجعلها لغة مسطحة لدى الشباب.
وفي ذلك ينصح البدور الشباب بالقراءة والعودة إلى المجلات الأدبية والكتب الورقية، لتقوية أنفسهم من خلال المدرسة والمنهاج الدراسي، لأنّ البلاغة واللغة والحديث بها والتمكن منها كانت صفة الجيل السابق من أجيال الكاتب البدور ومن سبقه.
وعن أسلوبه الأدبي، يذهب البدور إلى تقديم تجربة مختلفة في كل ديوان شعري، إذ علينا أن ندرك أنّ هذا الأمر له تحديات وليس سهلاً، بل ويحتاج إلى قراءة واطلاع ومعرفة، لأننا سنكون ساعتها أمام نص لغوي سائد ومدرسة شعرية قائمة وتقاليد راسخة في الكتابة، فلا يمكن أن نجدّد إن لم نكن ممتلكين لأدواتنا ومسوغات هذا التجديد.
يشتغل البدور دائماً على مجموعات شعرية، وليس قصائد متفرقة، مستفيداً من الثّيم المشتركة والموضوعات المتقاربة في هذه المجموعات، مؤكداً استمراره في الكتابة ضمن مشروعه الثقافي، والمحاولة ما أمكن الاطلاع على الشعر الأجنبي بلغته الأم، وليس الشعر المترجم، باعتبار النص الأصلي يفيده في المعاني والأفكار والاطلاع على ثقافات الأمم من خلال هذا النوع الأدبي المهم، وهو ما يؤكد انفتاحه كمثقف وشاعر على كل التجارب العالمية والعربية في الكتابة.
وأخيراً، يشير البدور إلى ديوان شعري قادم، كأحد مشاريعه الإبداعية، مؤكداً أهمية اللغة العربية للإعلاميين والأدباء والمثقفين والمتحدثين، اعتماداً على ما للغة العربية من مستويات بلاغية ودلالية مهمة. كما يختم البدور حديثه بأهمية الثقافة كانعكاس للهوية الأصيلة لدى للأمم والشعوب.