فاطمة عطفة
في مواجهة التحولات الكبرى التي يشهدها العالم، وتحديداً في مجال التقنيات وما تفرضه من علاقات جديدة بين الأديب وأدواته وقضاياه ومحيطه، تتعدد مقاربات الكتابة في التعبير عن الذات الشخصية والاجتماعية من جانب، وعن الهوية، والحرية من جانب آخر، فكيف يمكن للكاتب أن يواجه تحديات هذا العصر وأزماته ويسهم في إبداع فضاء إنساني جديد؟، وبالتحديد في مجال الإعلام والثقافة، حيث يشهد هذا المجال تحولات كبرى على مستوى العالم، ما يعني أن دور الإعلامي والمثقف محكوم بالتغير في المنابر المختلفة، سواء عبر الصحيفة والشاشة أو عبر المنصات الإلكترونية، وخاصة أن العلاقة بين المثقف والجمهور تمر بتغيرات كبيرة في الآن نفسه. وفي هذا السياق يُطرح سؤال آخر عن الدور الذي يمكن للإعلام أن يقوم به في صناعة الرموز الثقافية وتوسيع دائرة الفكر والتفاعل لدى الجمهور.

بداية يقول الدكتور عمر عبد العزيز، مدير الدراسات والنشر في دائرة الثقافة بالشارقة، إن القاسم المشترك بين السؤالين السابقين يكمن في التحولات العاصفة التي يشهدها العالم المعاصر، وأثر هذه التحولات في الخطاب المعرفي بشقيه الثقافي العام، والإبداعي الخاص، وبطبيعة الحال تتصل هذه الحقيقة بالدور الاستحقاقي المرتبط بالمثقفين الذين عليهم دفع هذا الثمن الباهظ، والمصانعة في زمن التدافعات الرقمية ومدهشات الذكاء الاصطناعي، وثقل الواجبات. ويضيف موضحاً: «أتصور أن الاتتلجنسيا المعاصرة مطالبة بإدراك الزمن الإبداعي الجديد، والمغاير للزمن الذي ألفناه منذ عقود خلت، ذلك أننا بإزاء تقلص المعطيات الزمكانية التي طالما كانت الرافعة الكبرى للخطاب الثقافي الخاص، كما أننا في مواجهة سيول التطبيقات الرقمية التي غيّرت أدوات إنتاجنا المعرفي، وعصفت بثوابتنا المهنية التي ألفناها دهراً».
ويختتم الدكتور عبد العزيز قائلاً: «علينا أن ننتمي للمستقبل كي نعيد إنتاج ما خفى من كنوز الماضي الثقافي، فالفتوة الكتابية الشفاهية ستتنامى، والعناصر البصرية الكاسحة لمألوفات أيامنا الماضية ستنتشر كالنار في الهشيم، والعلاقة بين الوعي والوجود ستميل لمغالبة الوجود بالوعي، وعندها ستخرج العفاريت من غياهب اللاوعي».

من جهتها، تقول الروائية فاطمة المزروعي: «يواجه الأدب العربي اليوم تحولاتٍ كبرى فرضها تسارع التغيرات العالمية في مجالات الفكر والتقنية والاتصال، الأمر الذي يضعه أمام تحدياتٍ جديدة تتعلق بقدرته على مواكبة العصر، دون التفريط بجوهره الإنساني والروحي»، مبينةً أن الأدب لم يعُد مجرد انعكاسٍ للواقع أو أداة للتعبير الجمالي، بل أصبح فعلاً معرفياً يسعى إلى فهم ما يجري من تحولات عميقة في المجتمع، وإعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والعالم.
ومن خلال الانفتاح على التجارب الإنسانية المتنوعة واستثمار طاقات اللغة والإبداع، ترى المزروعي أن الأدب العربي يستطيع أن يسهم في بناء فضاء إنساني جديد يقوم على قيم الحرية والعدالة والاختلاف الخلاق، وأن يعبّر عن هموم الإنسان العربي المعاصر بلغةٍ قادرةٍ على الحوار والتأثير والمساءلة. أما في ميدان الإعلام والثقافة، فقد غيّرت الثورة الرقمية موازين التواصل والمعرفة، وأعادت تشكيل العلاقة بين المثقف والجمهور، وتؤكد المزروعي أن المثقف اليوم لم يعُد صوتاً نخبوياً معزولاً، بل فاعلاً في فضاء تفاعلي مفتوح يتطلب وعياً جديداً بأدوات التأثير والمسؤولية الفكرية. ومن هنا، تتعاظم أهمية الدور الإعلامي في صناعة الرموز الثقافية وتعزيز الفكر النقدي، عبر تقديم محتوى يوازن بين العمق والجاذبية، ويمنح الجمهور فرصة للتفاعل الواعي مع القضايا الفكرية والاجتماعية. فالإعلام، حين ينفتح على الثقافة الجادة ويمنح المثقف مساحة حقيقية للحوار، يتحوّل إلى جسرٍ بين الإبداع والمجتمع، ويسهم في بناء وعيٍ جماعي متنور يعيد للثقافة العربية حضورها ودورها في صياغة مستقبلٍ يقوم على المعرفة والانفتاح والكرامة الإنسانية.

دور الأدب
وحول ما يشهد العصر من تطور في شتى مجالات الحياة وموقف الأديب منها، يقول الشاعر والروائي محمد الحبسي: «الأدب العربي يمكنه أن يواجه تحديات العصر، لأنه يقترب من الإنسان مباشرة، لا من العناوين الكبيرة فقط. نحن اليوم نعيش تغيّرات سريعة وتأثيرات متعددة مثل الضغط النفسي، القلق من المستقبل، الصراع بين ما نريده وما يفرضه المجتمع، وتساؤلات دائمة عن الهوية والحرية. هنا يأتي دور الأدب في أن يشرح ما نشعر به، وأن يحوّل التجارب الفردية إلى حكايات يفهمها الجميع. ومن خلال الرواية والقصة والشعر، يستطيع الأدب أن يفتح مساحة للحوار بدل الصدام، وأن يذكّرنا بأننا متشابهون في الألم والأمل رغم اختلافنا»، مبيناً أن الأدب لا يغيّر الواقع بقرار سريع، لكنه يغيّر طريقة فهمنا للواقع، ويجعلنا أكثر وعياً، وأكثر تعاطفاً، وأقل قسوة في الحكم على الآخرين. أما الفضاء الإنساني الجديد الذي يمكن أن يصنعه الأدب، فهو ببساطة فضاء يقوم على احترام الاختلاف وتقبّل الآخر، فهم أعمق للذات والهوية، تعزيز قيم الرحمة والتعايش. ويرى الحبسي أن الإعلام والثقافة اليوم يتغيران بسرعة كبيرة بسبب التكنولوجيا والمنصات الرقمية، وذلك لأن الناس لم يعودوا يكتفون بقراءة الخبر أو مشاهدة البرنامج، بل يريدون أن يتفاعلوا ويعلقوا ويشاركوا، وأحياناً يصنعون المحتوى بأنفسهم. لذلك أصبحت مسؤولية المثقف والإعلامي أكبر، ويحاول جاهداً أن يقدّم فكرة مفيدة وواضحة وسط هذا الزحام.
ويوضح الحبسي بأن دور المثقف اليوم هو أن يكون قريباً من الناس، دون أن يفقد عمقه. بمعنى أن يشرح القضايا الثقافية بلغة بسيطة، حيث يربط الثقافة بحياة الناس اليومية، ويواجه التضليل والمعلومات السطحية بهدوء ومعرفة، مؤكداً على أن وجوده في الصحيفة مهم لأنه يعطي تحليلاً ورؤية، ووجوده على الشاشة مهم لأنه يوصل الفكرة بسرعة، ووجوده في المنصات الإلكترونية ضروري، لأنه يتواصل مباشرة مع الجمهور ويصنع مساحة حوار مستمرة.

تحولات مؤثرة
ويؤكد الأديب الروائي حارب الظاهري أن الكتابة التعبيرية لها دائماً أدواتها، كما أن لها منهجية قابلة للتعاطي بحرص أمام التحولات المعاصرة، وهي طبيعية وكبيرة في آن واحد وعلى مر العصور. وهناك قلق أمام التحولات المؤثرة على المنجز الإبداعي الإنساني الذي محوره الإنسان نفسه والمجتمع والهوية، ويتم هذا التقارب المشرع باسم الحضارة والتعاطي معها ضمن الإدراك بأهمية التغيير، بما لا يمس خصوصية التعبير عن الذات الشخصية والاجتماعية، مبيناً أن الأدب العربي له منظومة عريقة وركائز وأسس وتاريخ يمكنه أن تصبح عاملاً مهماً يترجم رؤى الأدباء العرب وتطلعاتهم في فضاء معاصر، يستمد من أساسيات الفكر والثقافة الرصينة، انعكاساً على التجارب المثلى.
ويرى الظاهري أن فضاء الإعلام والثقافة يواجه تحديات ويمر بتحولات كبرى على مستوى العالم، مؤكداً على أن المثقف يبحث عن مكانة ضمن هذه التحديات للتواصل مع محيطه وزمنه بشكل أوسع وأرحب. ويعتبر حارب الظاهري أن الرموز الثقافية لا تصنعها وسائل إعلامية محدودة، وإنما وسائل إعلام متطورة في التقنية من شأنها أن توسع دائرة الفكر وتقدم الرموز الثقافية المؤثرة.