كانت قصص الأطفال تروى شفوياً معتمدةً على صوت السارد العليم العارف في جوانيات الشخصيات التي يرسمها ومصائرها، فيقسمهما إلى شخصيات بطلة وأخرى ثانوية، وشخصيات مهمّشة وأخرى مركزية تمثل نموذجاً إنسانياً فريداً يحمل قيماً عديدة في شخصِه وفي وظيفته وفي دوره، وبالتالي في محور القصة وتصاعديتها السردية وصولاً إلى نهاية سعيدة، فقصص الأطفال التراثية أو ما يعرف بقصص الجدات هي قصص تقوم على البطل المركزي الذي ينهض بوظيفه تجعله في مواجهة مع الآخر بكامل تحدياته وصعابه، فتسمح له بالقيام بالصّعب واللاممكن، وتسهل له إذ ذاك وتهيئ له الصدفة والقَدر لكي يَعبُر ويمضي محققاً دور المنقذ والمضحي والبطل بكامل مُثله وقيمه، أما اليوم فتبدو قصص الأطفال مستلهمة من الغرائبي والعجائبي الذي جعل من المستحيل ممكناً ببساطة غير معقولة أو حتى غير مدركة لعقل الطفل ومَنطقِه وتصورّه العقلي، فقصص الطفولة اليوم خارقة ولا تتقاطع بتلك السهولة مع مخيال الطفل واحتمالاته.
كنا ونحن من جيل سابق سمع القصص وشاهدها من تلفزة رسمية ذات رقابة، ومن جيل تربوي يستند إلى التراث في حياكة قصص الأطفال، كنا نسمع القصص ونتذوقها وفق حدود المغامرة ذات الحدود المنطقية التي تحدها وتؤطرها نواميس الطبيعة والحياة، إذ لم تكن تلك القصص نابعة من الخيال العلمي الخارق والغريب والمستحيل إلا في الجانب المرعب أو المخيف وهو ما لم تكن صناعة القصص تميل إليه في ذلك الوقت، فقد كانت تركن للموروث الأدبي بقصصه وأشعاره وأناشيده وعاداته وتقاليده، وبلغة تحمل في طياتها الرصين والجاد والأخلاقي، وتحافظ في ذات الوقت على الرابطة المجتمعية وعلى أواصرها وحدودها، كل ذلك قبل عصر الشاشة ومدخلاتها التي باتت تستورد الحكاية من مصادر غير معلومة بل ومشوّشة، وتخلق معها شخصيات مُهشّمة وغير حقيقية، كل ذلك بهدف التسلية والترفيه غير المقرون بقيمة أخلاقية أو حِس فني معلن.
اليوم أدى الإفراط في الغرائبية إلى تشويش ذاكرة الطفل قبل الإساءة إلى منظومته التعليمية، فالرقمنة بحاجة إلى ضبط ورقابة تراقب حتى الألعاب الإليكترونية التي لم تعد مستقاة من بيئة الطفل نفسه، إذاً هناك بون شاسع بين «السندباد» و«السوبرمان» وبين قصص «ماوكلي» فتى الأدغال وبين «عدنان ولينا» حتى بتنا أمام صناعة قصصية لا تقوم على الكتاب والمحتوى والتاريخ بقدر ما تقوم على صناعة شخصيات قادمة من اللاشيء، وهو ما يجدد الدعوات إلى التنبه والحذر مجدداً.
أستاذ بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية