الأحد 25 يناير 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
التعليم والمعرفة

د. نزار قبيلات يكتب: سنوات المَغَر.. هوامش من سيرة الغريب

د. نزار قبيلات
25 يناير 2026 00:54

تقول الروايات عن كل شيء، وعبر أي شيء، فلا رواية دون سارد، ولا حكاية دون أبطال، في هذه الرواية حديثة الصدور «سنوات المَغَر هوامش من سيرة الغريب» ثمة حكاية مطوية في حِفظ التاريخ وغِبّه، رواية حرستها الحكايا والمرويات الشعبية والوثائق الرسمية، وهي حكاية شخصية «غريب» التي أيقظتها كاتبتها «مريم الزرعوني» من تلافيف مستندها التاريخي، فأخرجتها من قيد الوثيقة التي عانى غريب كثيراً قبل أن ينالها، فأعادته إلى الوجود ولو مجازاً، في رواية قيل فيها كل ما سُكت عنه أو أغفل أو حتى تمّ تجاهله، فقد كان الغريب غريباً في ظل دوائر من النكران والتجاهل والجحود التي أحاطت به فجعلته غريباً بسبب نكران أخيه وأبيه وزوجاته...، وبسبب تجاهل المسؤولين له في المناطق التي سافر إليها بحثاً عن رِزقه، غير أنه في رحلته تلك وجد نفسَه يبحث عن ذاته تحت وطأة أحداث وملمّات لم يكن يتوقعها أو ربما استسهل أمر مواجهتها، منها الاحتجاز والسجن والمنع والقمع، وبعناية فائقة استطاعت الزرعوني أن ترسم تلك الشخصية الغريبة وتُجليها رغم تعدد بنيات الأمكنة والأزمنة والشخوص في الرواية.
لقد شَيّدت الزرعوني روايتَها هذه وفق تقنية البوليفونية السردية التي تعتمد على تعدد الأصوات الساردة، فقد أنطقت كلّ شيء حول غريب، بما في ذلك رقم الرحلة التي أقلته إلى باكستان 737، فقد فرضت هذه التقنية السردية وجوبَ تقطيع أوصال الرواية وتحويلها إلى مفاصل حكائية تحمل في عنونتها ماهية الصوت السارد، كاشفةً عن زاوية رؤيتها لغريب الذي انقلبت عليه وجوه كثيرة بما فيها الممرضة الإنجليزية وزوجته الكفيفة، وأهل زوجته....
في الرواية تمركزٌ حول الأمومة، ذلك رغم مرجعية الأب وحيّزه الثابت في أي مادة حكائية، في الرواية أيضاً تعددٌ في الأمكنة رغم توحدها في فضاء سردي هو فضاء الإنسان الغريب الذي عاد أخيراً إلى موطنه في دبي، بعد أن ظل غريبا حتى على ابنه الذي لم يشهد لحظة مولده، فمن جزيرة أبو موسى إلى كمزار والشارقة وبوشهر والكويت... كان غريب يسبح في فضاءٍ معزول إلا من عروبته ونقاء سريرته وإصراره، فقد أدرك غريب في سفره وتأملاته أن للبحر أهوالاً وللساحل أماني كثيرة، كلما ضاقت عليه الدروب على اتساعها كلما طَرق غريبٌ ما بابه مسدلاً الستارة عن مدى جديد، فرغم زحمة الشخوص والأحداث إلا أن لحظات التبطيء السردي في هذه الرواية كانت لصالح تبئير نموذج إنساني كلما اتسع العالم أمام الآخرين كلما ضاق عليه.
هذه الرواية السيرية كان لها أن تمتد وتبلغ صفحاتها الضعف لولا أن الروائية ضَغطت السرد في بعض الأحايين متجاوزةً بعض لحظات الذروة السردية، فقد تخففت الروائية من الاسترجاعات السردية لصالح تهيئة نهاية مناسبة لغريبٍ سقطت طائرته لتعيده حيث البداية على الساحل.
هذه الرواية صدرت عن أنساق ثقافية غير معلنة فعاينت الهامشي والطرفي والمضمر والمهمّش، وهو ديدن كتاب الرواية حين يحاولون أنصاف من تخلّى عنهم الأدب الرفيع.
أستاذ بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©