لكل إنسان سرديّته التي تصدر عن موقِفه ومرجعيّته الثقافية وهويته، فتشمل كذلك الأمر موقعَه الجغرافي والسياسي والاعتباري بين الأمم، إنها ببساطة موقف الإنسان من الزمان، وربما هي جردة حساب أكثر من كونها مرجعية وتأطيراً للحدود المكانية والزمانية، مؤخراً أخذت المؤسسات والدول تنتهجها وتستعيض بها عن رؤيتها وأهدافها وخططها الاستراتيجية، فقد صارت بعض المؤسسات اليوم تعتمد في موقعها الإلكتروني بند السرد الاستراتيجي بديلاً عن الرؤى والأهداف.
ولكن وكما يقول جورج لوكاتش: يلزم أن يكون هناك مستند تاريخي للسرد، على أن السّردية هي ذروة التجلي الوطني متجاوزةً بذلك رقعتها الجغرافية ووثيقتها التاريخية الشكلية، فالسرديات أرشيف قيمي جعلت التاريخي جزءاً منها، إذ لا تجد حرجاً في إعمال المجاز والخيال، حيث للخيال ذاته ذاكرة وهوية ووطن، والوطن في ضوء السردية هو كل تقديراتنا للحظات الأمان والاطمئنان، وللبطل والمصير والثقافة التي لم تتآكل رغم كل رياح الطمس والتهجير.
تنبع السردية من التراث وتصبّ في المستقبل، إذ ستمنح السرديةُ الوثيقةَ التاريخية الديمومةَ والحياة، فمن لا حكاية له تروى لا مصير سعيداً ينتظره، فهي عملية هاضمة وناظمة في آن، بمعنى أنها لا تعاين الرسمي بقدر ما تحفل بالشعبي واليومي والحسّي والمرئي واللهجوي، فأبرز منظري السردية الشرقيين، والمقصود هنا هو «فلاديمير بروب»، انطلق من الحكاية الشعبية المعروفة في روسيا بـ (المارشوتكا)، فقد أسس بروب لنظام سردي صرفي، ورأى أن ثمة هيكلاً شكلياً للمروي والإخباري والشفاهي وللمخبر عنه: الأديان والأخلاق والعمارة والفنون وطرق كسب الرزق.. ولكيف نقول؟ وماذا نقول؟ ومتى نقول؟ فنحن حين نخبر إنما نسرد بالنيابة عن الآخرين وليس عن ذاتنا وحسب، وهو ما يجعل السردية وعياً قومياً له حدود ثقافية خاصة تختلف عن أي سردية أخرى لكنها لا ترفضها، فالحفاظ على سردياتنا يعني حماية التراث وأجياله ومؤسساته ونظامه الاجتماعي والسياسي، كما وتضم السردية في مكوناتها المادي والمعنوي، المحسوس والمدرك، ما كان، أو ما كان يمكن أن يكون، وما أُغفل عن الذكر، وما نسيه الرواة والمحدّثون.
تضم السردية كذلك الأمر الخوف والاطمئنان والنصر والخذلان أحياناً، لكن كيف نصيغ سرديتنا؟ وما هي تقانات كتابتها؟ هي بذلك فعل جمعي لا يركن لهوى السارد ولطريقته في الرؤية والوصف وفي رسم الشخصيات، فثمة سياق ومجرى للسردية ينبغي معه الحذر من منعرجاته وأماكن انسيابه وتدفقه، فللسردية حكايات تنتظر من يُصيغها بوعي وطني يدرك الهمّ والرسالة والقيمة الخالدة.
* أستاذ بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية