أبوظبي (الاتحاد)
تمتاز الأبنية القديمة بأهمية تاريخية وثقافية بالغة، تظهر جلياً في تصميمها المعماري العريق، وفي سجلِّها التاريخي الحافل بالأحداث والشخصيات التي تركت أثراً عميقاً في بناء المجتمعات الإنسانية، وعليه يحضر مفهوم «الترميم» كمؤشر حضاري، للمستوى الذي بلغه المجتمع من الرُّقي في العلوم التطبيقية والنظرية.

وأكد الكاتب والمهندس المعماري الإماراتي محمود الرمحي، في حواره لـ «الاتحاد»، أن المبنى - سواء كان مسكناً أو قصراً أو مدينة - هو الرمز التاريخي الأبرز الدال على التقدم الثقافي والعلمي للأمم، مشيراً إلى أثر مفهوم العمارة وقيمتها الثقافية، على الواقع المعاصر في الإمارات، فالزائر يجد نفسه أمام حضارة حداثية تُجسّد القرن الحادي والعشرين في أدق تفاصيلها، بدءاً من المطارات والبنية التحتية، وصولاً إلى أيقونات معمارية، مثل «برج خليفة» ومتحف «اللوفر أبوظبي» ومشاريع جزيرتي السعديات وياس، إضافة إلى ترميم المعالم التاريخية، مثل «قصر الحصن»، هذا التطور العمراني يعبّر عن نتاج نضج مجتمعي وفهم عميق للطبيعة والنظريات الفيزيائية والمعادلات الهندسية، وانعكاس لمنظومة متكاملة تشمل الفلسفة، والثقافة الاجتماعية، والفنون، والقانون.
وحول الشروط والمؤهلات التي يجب أن يمتاز بها «مُرمِّم» الأبنية القديمة، أوضح المعماري الرمحي أن ترميم المباني التاريخية - سواء من الداخل أو الخارج - يتطلب فريقاً من الخبراء، وفي مقدمتهم المؤرخون المتخصصون في الحقبة التي أقيم فيها المبنى. وتبرز الحاجة إلى خبراء في علم المواد، نظراً لاختلاف طبيعة مواد البناء من عصر إلى آخر، سواء كانت مواد طبيعية مستمدة من البيئة أو مواد داخلة في التصنيع.
وبيّن الرمحي أن «المؤرخ» يعتمد في عمله على المقارنة بين المباني، فالحضارة الإنسانية تراكمية بطبعها، وهو يمتلك خلفية معرفية تربط القديم بالحديث، وتدرس تأثر الإنسان بمحيطه في المدن والقرى. وبما أن البناء يعكس الحالة الاقتصادية (إنتاجاً وتجارة)، فإنه يكشف لنا طبيعة الاتصال التجاري للمجتمع مع المناطق القريبة والبعيدة. ومثال ذلك وجود خشب (التيك) في قصر الحصن وفي سفن البحارة في دول الخليج، رغم أنه لا ينبت في الإمارات أو الوطن العربي عموماً، وهذا يؤكد أن الإنسان في هذه المنطقة وصل بتجارته إلى الهند وبورما وأطراف شبه القارة الهندية لجلب هذه الأخشاب.

وفي سياق متصل، تطرّق الرمحي إلى قضية «الزخرفة» و«الترميم الفني»، مؤكداً أن هذه العملية تبدأ بتكامل الرؤية بين مؤرخي الفنون وخبراء المواد والمختصين في الشكل المعماري، لتمهيد الطريق أمام الحرفيين المَهَرة من حدّادين ونجّارين وحجّارين، موضحاً أن الصنّاع يجب أن يمتلكوا قدرة استثنائية على محاكاة الصنعة القديمة بدقة، من مثل إتقان «فنون الحفر» و«النحت التاريخي».
تقنيات هندسية
استشهد الرمحي بنماذج من عمارة شرق آسيا (كوريا واليابان والصين)، حيث تُشيد القصور والمعابد من الخشب بتقنيات هندسية تتجاوز العصور، إذ تعتمد هذه العمارة على أنظمة تركيب «التعشيق» دون استخدام مسامير حديدية، لاستيعاب عمليات التمدد والتقلص الطبيعي للخشب. وأشار الرمحي إلى أن بناء هياكل خشبية، أو صناعة أبواب من خشب «التيك» المحفور، يتطلب معرفة عميقة بالأدوات التقليدية، وتركيبات الغراء الطبيعي، وطرق حماية الأخشاب بزيوت ومواد عضوية.