أحمد عاطف (القاهرة)
أخذت «الرواية الخليجية»، في السنوات الأخيرة، طريقها تدريجياً إلى الشاشة، لكن بعض التجارب بدت أكثر قدرة على تحويل «النص الأدبي» إلى مادة درامية حيّة، أبرزها المسلسل الكويتي «جناية حُب».
يقدّم المسلسل تجربة درامية لافتة في «المشهد الخليجي»، خصوصاً أنه مستوحى من رواية «السندباد الأعمى.. أطلس البحر والحرب» للكاتبة الكويتية بثينة العيسى، ويأتي العمل ضمن موجة متزايدة في الدراما العربية التي تعود إلى «الأدب» بحثاً عن حكايات أكثر تعقيداً وعمقاً، قادرة على الجمع بين البعدين النفسي الاجتماعي في آن واحد.
وتدور الحكاية حول شبكة من العلاقات بين «4 أشخاص»، «نواف» و«نادية» و«عامر» و«مناير»، تبدأ جذورها في ثمانينيات القرن الماضي، وفي تلك المرحلة تبدو الحياة مستقرة ظاهرياً، لكن العلاقات بين الشخصيات تُدار في إطار من التحفظ الاجتماعي والصمت الطويل. تعتمد بنية المسلسل على تعدُّد وجهات النظر، حيث تحمل كل حلقة اسم إحدى الشخصيات الرئيسية، فتُروى الحكاية من زاوية مختلفة، بحيث نرى الأحداث مرة بعين نادية، ومرة من خلال نواف أو عامر. ويجعل هذا الأسلوب «الحقيقة نفسها موضع شك»، لأن كل شخصية ترى الوقائع بطريقتها الخاصة، مما يترك المشاهد أمام أكثر من تفسير لما جرى.
ويساعد هذا البناء الدرامي على إبراز الفكرة الأساسية للعمل، وهي أن بعض الجرائم لا تنشأ من لحظة غضب فقط، بل من سنوات الصمت والمشاعر غير المعلنة، فالحب في المسلسل لا يفشل لأنه ضعيف، بل يؤجل الاعتراف بالمشاعر لأنه وُلد في بيئة اجتماعية لا تسمح له بأن يُقال بصراحة. وتعتمد المعالجة الدرامية على التفاصيل الصغيرة والتوتر النفسي أكثر من الاعتماد على الأحداث الصاخبة، ويمنح المخرج سعيد الماروق العمل إيقاعاً هادئاً وكاميرا قريبة من الشخصيات، مما سمح بإبراز الصراعات الداخلية التي يعيشها الأبطال.
يعكس اختيار فترتي «الثمانينيات» و«التسعينيات» تغيرات اجتماعية ونفسية مر بها المجتمع الكويتي، ففي الثمانينيات تبدو الحياة أكثر استقراراً.
ومع دخول التسعينيات، وما شهدته المنطقة من أحداث كبرى يصبح الإيقاع النفسي للشخصيات أكثر هشاشة، وتظهر آثار الخوف والفقد في علاقاتهم.
لا يعتمد «جناية حب» على التشويق التقليدي، بقدر ما يراهن على كشف طبقات الحكاية تدريجياً، ومن خلال هذا الأسلوب يقدّم نموذجاً لنجاح انتقال «الرواية الخليجية» إلى الشاشة، كمادة قادرة على طرح أسئلة إنسانية معقّدة تجعل التجربة جديرة بالانتباه في المشهد الدرامي العربي.