يجدر بالمثقف أن يكون مشتبكاً مع الراهن والقيمي والإنساني على الدوام، فيستثيره غير المكتمل، وتؤثّر به قصص المعوزين والناجحين ويفرح لها، إذ لا يجوز أن يكون المثقف منغلقاً على ذاته، هائماً في ملكوته الخاص، بل عليه أن يمارس مسؤولية حسية تجعله دوماً في المواجهة والصدارة والمسؤولية، فمكانة المثقف سببها بداية سِعة اطّلاعه، ومقدرته على التعاطي مع ما يَعسر فهمه أو حتى تحمله، فهو وبفضل تلك المساحة الشاسعة من المعرفة والاطلاع سيظل قادراً على الإجابة والحل والتمكن، فلا يجوز مثلاً أن يكون المثقف صاحب فكر منغلقٍ على ذاته أو صاحب توجّهات غير متفاهمة والسياق الذي يفيض على الدوام بمعطياتٍ وأسئلةٍ جديدة تظهر جراء طابع الإنسان ونهجه في الحياة.
فمن يؤطّر نفسه مبكراً متّبعاً لافتراضات أيدلوجيا جامدة، فإنه حتماً سيجد نفسه - فيما بعد - على الضفة الأخرى من الحياة، فالأيدولوجيا قبل أن تتكون فكراً وبُعداً إنسانياً بعمومها هي منهجية وضعية من صنيع البشر وعلى ذلك ستبقى قابلة للتطور والتكوثر مع مستجدات غالباً ما يتم تجاوزها أو لنقل تحديثها تبعاً لسياق الحال، وهو ما يجعل الإنسان المتزمت في فكرِه مقيداً لا يمكنه أن يواكب روح العصر.
فالوعي لا يعني الإدراك هنا، بقدر ما يعني سمات أخرى كالتقبل والتّفاهم والتعايش، وهي تلك القيم التي ستكون عسيرة - على ما يبدو - عند مَن بات مُتَقوقِعاً على ذاته حبيس نفسه، يرفض التعاطي مع الآخر، فهنا سيسهل عليه نعت الآخرين بتُهم قد تطال حتى أسرته وأصدقاءه والمقربين منه، وكما ذكر أديبنا المعروف «علي أبو الريش» في مقالة سابقة له هنا في صحيفة الاتحاد، حملت عنوان «الأيدولوجيات المغلقة» فقد ذكر، إن مهمة الأيدولوجيات المغلقة تبدأ بإغلاق الفكر وتنتهي بإغلاق مضايق الحياة. نعم من يفتح الفكر وأبواب الحياة هو المثقف ذلك الذي يدرك أن الإنسان قيمة بحدّ ذاتها في حال قبل الإنسانُ الإنسانَ، وشكّل حضوره في الحياة جسراً لا جداراً فاصلاً يعزل الناس ويتهمهم ويعنّفهم، الوعي كما ذكرنا تَقبّل، لكنه أيضاً مرونة وتدبّر في الأيدولوجيات، مادام مَن وضعها وصنعها هو الإنسان ذاته، فالفكر المتجمّد لا يحيا، بل يبلى ويضمحل، ما لم ينحز للإنسانية بكينونتها وينحز إلى احترام الذوات وتقدير إنسانها، وما يحتاجه لذلك هو الوعي وحسب.
*أستاذ بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية