فـاطمــة عطفـة (أبوظبي)
يُشكِّل التراث المعماري أحد أبرز الشواهد الحية على تاريخ الشعوب وهويتها الثقافية، حيث تختزن المباني التاريخية في تفاصيلها قصص المجتمعات وتحولات الزمن وقيم المكان، وفي ظلِّ التسارع العمراني الذي تشهده المدن الحديثة، تبرز أهمية أعمال الترميم كضرورة ثقافية وحضارية تتجاوز الحفاظ على الأحجار والجدران إلى صون الذاكرة الجماعية، وتعزيز ارتباط الأجيال الجديدة بماضيها.

أكدت أسماء المطوع، مؤسِّسة صالون «الملتقى الأدبي»، أن ترميم المباني التاريخية يمثّل ركيزة أساسية في صون التراث المادي وحماية الهوية الوطنية، مشيرة إلى أن هذه المعالم تُمثّل سجلاً حيّاً لتاريخ المجتمعات وتجاربها الحضارية عبر الزمن، فالوقوف أمام مَعْلم تاريخي مثل قصر الحصن لا يعني مشاهدة جدران عتيقة فقط، بل استحضار تاريخ نابض بالحياة يتجسّد في تفاصيل الحجر والعمارة. وأضافت أن المباني التاريخية تُشكّل صفحات مفتوحة من ذاكرة المكان، تحفظ ملامح المجتمع الذي شيّدها، وتعكس تطور فنون البناء والعمارة عبر العصور.
وأشادت المطوع بفنون الترميم ودورها الحضاري، موضّحة أن أهميتها تتجاوز إجراء أعمال هندسية لمعالجة التلف أو التهالك، فهذه الأعمال تُمثِّل فعلاً ثقافياً يسهم في وصل الحاضر بالماضي وحفظ الشواهد التاريخية للأجيال المقبلة. وقالت: «يحمل كل مَعْلم تاريخي في تفاصيله روح المجتمع الذي صمْمه وبناه وأبدع في زخارفه، وكل حجرٍ فيه، وكل كلمةٍ منقوشةٍ على جدرانه، هي شاهدٌ حيّ على مرحلةٍ من مراحل تشكّل الهوية».
وأشارت إلى أن المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، رسّخ هذا المفهوم من خلال مقولته الشهيرة: «من ليس له ماضٍ، ليس له حاضر ولا مستقبل»، معتبرةً أن هذه العبارة تُجسّد فلسفة الحفاظ على التراث بوصفه أساساً لبناء المستقبل وتعزيز الوعي الوطني.
وأكدت أن فن الترميم يتطلب معرفة واسعة تتجاوز الهندسة المعمارية لتشمل التاريخ والبيئة وخصائص المواد المستخدمة في البناء، مشيرة إلى أن المرمِّم الحقيقي لا يسعى إلى تجديد المبنى شكلياً، بل إلى الحفاظ على أصالته وصون قيمته التاريخية، وقد أكد المؤرخ والناقد الفني البريطاني جون رسكن هذا المبدأ بمقولته: «المباني القديمة ليست ملكاً لنا وحدنا، بل هي إرث تركه الأسلاف وأمانة في أعناقنا لمن سيأتي بعدنا». وأضافت المطوع أن المعالم التاريخية غالباً ما تزدان بالزخارف والنقوش والكتابات التي تتطلب تعاوناً بين تخصصات متعددة، حيث يعمل المرممون والفنانون التشكيليون والخطّاطون والمؤرخون جنباً إلى جنب للحفاظ على هذه العناصر من الاندثار. ولفتت إلى أن الترميم في هذه الحالة يتحول إلى مشروع ثقافي متكامل تتقاطع فيه الخبرات المعمارية والفنية والبحثية.
واستحضرت في هذا السياق رؤية المؤرخ النمساوي ألويس ريغل الذي أكد أن «الأثر التاريخي يحمل قيمة الذاكرة التي تربط الإنسان بماضيه»، مشيرة إلى أن هذه الفكرة تتقاطع مع رؤية المفكر المصري جمال حمدان الذي وصف العمران بأنه «السجل المادي للحضارة».
وأكدت المطوع أن الحفاظ على المباني التاريخية يسهم في تنشيط الحركة الثقافية والسياحية، حيث تتحول المواقع المرمَّمة بعناية إلى فضاءات حاضنة للمعارض والفعاليات والأنشطة التعليمية، بما يعزّز حضورها في المشهد الثقافي المعاصر، ويمنح الجمهور فرصة للتفاعل مع التاريخ بصورة مباشرة.
سجلِّ الزمن
أوضحت المطوع أن المدن التي تحافظ على معالمها التاريخية تحافظ على روحها وهويتها، فكل مبنى تاريخي يُرمَّم يمثّل جسراً يربط بين الأجيال، وكل حجر يُصان هو صفحة محفوظة في سجلِّ الزمن، فالترميم ليس مجرد صيانة للأبنية، بل استعادة للذاكرة، وحماية للهوية، ووفاء للتاريخ.