يصر عدد لا بأس به من الإعلاميين والمختصين في هذا الشأن على حداثة وسيلة البودكاست وعلى ريادتها وقوّتها في التأثير والإقناع والانتشار، وفي عالم التواصل الإعلامي الذي تجاوز اللغة وتجاوز الحدود والجغرافيا، مستندين بذلك على سرعة انتشار البودكاست في وسائل الاتصال الرقمية ومنصاتها وعلى وتنوع جمهورها، وكذا على طريقة التناول التي تضع الضيف المتحدث في ساحة آمنة ومطمئنة للتحدث والجلوس بحرية أمام مُجري المقابلة، وبالتالي استخدام لغة جسد عفوية غير مصطنعة تشيع الراحة وتمكّنه إذ ذاك من تعزيز الثقة لديه، ليغدو قادراً ودون توجُّس من بناء خطاب مدعوم بالثقة والتمكن والتحكم، ففي البودكاست تحديداً تُمارس هناك لغة غير خشبية، وهنا نعني أن المتحدث لن يشعر بسلطة اللغة التي يمارسها عليه ربما ضيوف الحوار الذين لم يعودوا موجودين أو حتى المستضيف نفسه، أو ربما فلسفة الحوار والنشر للمؤسسة الإعلامية وأسلوب إدارة الحوار، ففي البودكاست دعة وتمهُّل يقودهما المتحدث نفسه، فارضاً أسلوبه وطبيعته والصيغة السردية التي يقدمها هو بنفسه، وهنا يغدو البودكاست من حيث الماهية والأهمية أسهل من محاضرة وأقرب من لقاء إعلامي، مرئياً كان أم مسموعاً.
إذ دفء اللقاء وعفويته ومرونة العلاقة القائمة بين المذيع والمتحدث والجمهور وطريقة السرد الصحفي التي تشبه طريقة سرد الحكايا الشعبية، كلها سمات جعلت من هذه الوسيلة سهلة الوصول والذيوع، رغم خصوصية اللقاء وقربه من محيط الضيف المتحدث، وكأنها بذلك -أي وسيلة البودكاست- توحي بأن وسائل الإعلام الحديثة والمتجددة ستتنقل لتؤثر، بل وتُحدث ثورة حتى في الأجناس الأدبية التي منها السيرة الذاتية والسيرة الغيرية، فالمتحدث هنا ليس في مركز الحوار، بل هو من يصنعه ويديره ويختاره، مهما ظهر فيه مستهدفاً وفي قلب المواجهة الإعلامية، فنحن نواجه في البودكاست المنتج وليس الإنتاج، بمعنى نحن كمستمعين سنبقى رهائن للمحتوى الذي سيقدمه المتحدث وللطبيعة السردية التي يريدها وللكمِّ المعرفي والنادر الذي سيظهره، فلكل متحدث في البودكاست زاوية رؤية لا يمكن أن تتقاطع أو تتشابه مع أحد، مهما تشابهت الموضوعات وتكرّر المستضيف ودوره، ولا نغفل هنا أن البودكاست سمح للشاشة التي ظلت حكراً على النخبة فقط بأن تستضيف ما تشاء ممن ظنوا أن الشاشة لا تناسبهم.
*أستاذ بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية