غرض اللغة ووظيفتها لا يمكن حصرهما في الغرض الجمالي والدافع الإشهاري الذي سهلته لنا وسائط التواصل الاجتماعي المتنوعة، إذ هناك دائماً غاية براجماتية للغة تمكن في تحقيق التفاعل والتبادل مع لغة الآخر بغية كسبه بعد عمليات تربص ورَصد لغوي تقصد إقناع الآخر وإفحامه، حتى وإن كان ذلك الحوار داخلياً.
فاللغة في نهايتها ترنو للوصول إلى نقطة لقاء مفادها الإقناع وغلق الحاجة للحوار والتحاور، وهنا تغدو اللغة نقيضاً للإكراه والعنف والقوة الجبرية، لأن التوجه نحو الآخر يفرض بعداً أخلاقياً عند المتحدث، منه تتشكل مساحة يلتقي فيها المتحدث ومتلقوه، لذا فإن الصمت ومهارة الاستماع والإنصات وطريقة الجلوس ومسافة النظر والقرب من الآخر... استراتيجيات إقناعية تؤدي دوراً مهماً ومبدئياً في نجاح عملية إيصال الأفكار والمقاصد المطلوبة، على أننا نؤكد أن عملية تحضير الألفاظ والكلمات مسبقاً تبدو غير مجدية؛ ذلك لأن للحوار مسارات عديدة غير متوقعة، مسارات قد تأخذ الحوار إلى اتجاهات كثيرة لا يمكن التكهن بها، لذا فإن الانفعال والاستجابة التي تصدر عن الآخر لن تكون دائماً محسوبة ومتوقعة، وهذا ما يجعل التعويل على اللغة كبيراً، فالمتحدث صاحب الحجة يلزمه أن يكون ممتلئاً بكل أسباب النجاح للوصول إلى منصة الإقناع قبل الآخرين، إذ للإقناع استراتيجيات خطابية تنهض بها عوامل لغوية وغير لغوية، وهي عوامل شعورية وسياقية تترجمها اللغة ببنيتها الصوتية والصرفية والدلالية.
فاللغة محمول ثقافي مرن ومُحيّن، ذلك لأن ما يقال للكبار لا يقال للصغار، وما يقال للمسؤولين لا يقال للزملاء، وهنا يمكننا تصوير اللغة بالثوب الذي نحتاج إلى قيافته مراراً وتكراراً تبعاً للمتلقي ولمدارات استيعابه وفهمه التي تتبع لمرجعياته المعرفية والثقافية، إذ لا يمكن توقع إدراك المتلقي من خلال لغة غامضة أو قاصرة أو حتى غير مشتركة لا تشبه المتلقي وإن اختلفت في مضمونها، فاللغة قيم إنسانية عليا تستند إلى رصيد ثقافي ورمزي مشترك، فتاريخ نشأة اللغة يشير إلى أنها جاءت لكي تملأ كل الفراغات التي أنشأها الخلاف بين البشر، حيث اختلاف اللغة هنا لا يعني الخلاف بقدر ما يعني تنوع الأساليب وتعددها، فكلما كان الأسلوب متنوعا كانت الاستراتيجيات الاقناعية عديدة؛ فما ننشئه بأسلوب الشرط يمكن أن ننشئه بأسلوب الاستفهام، وما نقوله بصيغة الفعل يمكن أن نكرسه بصيغ الاسم وهكذا...، فالآخر تفصله عن المتحدث المسافة ووجهة النظر وليس القيمة أو المعنى، وهو ما يجعل عملية إدارة الخلافات ممكنة باللغة وليس بسواها.
*أستاذ بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية