الأحد 7 يونيو 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
التعليم والمعرفة

الغاف.. جذور راسخة وقيم أصيلة

شجرة الغاف أيقونة وطنية تحمل دلالات ثقافية وإنسانية (أرشيفية)
7 يونيو 2026 01:10

محمد عبد السميع

يُشكّل التراث الطبيعي أحد أهم المرتكزات التي تعزز الهوية الوطنية وترسخ قيم الانتماء والولاء في نفوس الأفراد، وترتبط الشعوب ببيئاتها ارتباطاً وثيقاً ينعكس على ثقافتها وسلوكها ونظرتها إلى الحياة، وتتجسد هذه العلاقة في دولة الإمارات من خلال العديد من الرموز الطبيعية التي اكتسبت مكانة خاصة في الوجدان الوطني، وتأتي في مقدمة هذه الرموز شجرة الغاف التي تعبر عن الصمود والعطاء والتسامح، فمن خلال حضورها العميق في البيئة الإماراتية، تحولت الغاف إلى أيقونة وطنية تحمل دلالات ثقافية وإنسانية راسخة، وتعكس قيم المجتمع الإماراتي الأصيلة وتاريخه الممتد وطموحه نحو المستقبل.
وتتجلى مفردة الصمود الوطني في كلّ ما هو حولنا في دولة الإمارات العربية المتحدة من تراث ثقافي معنوي ومادي وطبيعي، حيث نجد العلاقة ماثلةً وقويةً في المفردات الطبيعية، كالشجر والحجر والمبنى، والصحراء والجبل والبحر، وكلّ ما ينبثق من هذا التراث من استلهامٍ حيٍّ تجسّد واستقرّ في العادات والتقاليد المكتسبة من صميم هذه البيئة وصفاتها القوية، فكان الشموخ والاعتزاز والثبات والعذوبة والرونق واليقين بقوة المبدأ والمنطلقات، من هذه الرموز التي تخللت المجتمع الإماراتي في أوجه التعبير والتعامل الإنساني الليّن من غير ضعف، والقويّ من غير تعنّت، كما كانت القصيدة، وكان المثل الشعبي، وكانت الأغنية والشلّة والأهازيج والفلكلور، جميعها متضمّنةً هذا الإرث الكبير.

شموخ إلى أبعد الحدود
وتقف «شجرة الغاف» الإماراتية كشجرة وطنية شامخة إلى أبعد الحدود، وراسخة في أعماق الأعماق، ومتشابكة، بحيث لا تدع مجالاً لأيّ رياحٍ غير مرغوبة يمكن أن تمرّ على أنفاسنا، ونحن نتفيأ ظلال هذه الشجرة العظيمة في رمزيتها، والقوية في حضورها الوطني والثقافي والإبداعي، في الآداب والفنون، والاستلهام المجتمعي والشبابي تحديداً لمعطيات هذه الشجرة المعنوية التي سُمِّيت شجرة وطنية.
تُوقِد شجرة الغاف في النفوس جذوة الصبر والقدرة على مجابهة كلّ الظروف الصعبة التي يمكن أن نمرّ بها ونجتازها بثباتنا وترابطنا الاجتماعي، ونحن نثبت في الأرض كثبات جذورها، وتعلو هاماتنا كعلوّ أغصانها، فقد تحدت هذه الشجرة كلّ الظروف الطبيعية القاسية المحيطة بها، فنمت وحافظت على وجودها، لتصبح مظلةً واسعةً لكلّ الأفكار الرائعة التي نستشفّها منها، في مزجنا بين المعنوي والطبيعي.

رمز للتحدي
والإنسان بطبيعته يستلهم من محيطه ما يعزز قدرته على الاستمرار والبقاء، ولذلك تجاوزت علاقة الإماراتي بشجرة الغاف كونها مجرد شجرة، لتصبح رمزاً للتحدي والإرادة والعطاء، فقد امتدت جذورها عميقاً بحثاً عن الماء، كما يسعى الإنسان الإماراتي بإصرار إلى تحقيق أهدافه وتجاوز الصعوبات، وهكذا غدت الغاف رمزاً للقوة والدافعية والتماسك، وانعكاساً حياً لعناصر التكوين الثقافي والفكري في المجتمع الإماراتي.

تماسك أمام التحديات
ظلت شجرة الغاف في الرمزية الإماراتية محلّ استنباط، حيث فكرة الظلال الوارفة للوطن برمزية الشجرة، وحيث أذرع وأغصان شجرة الغاف وأياديها المتماسكة كتماسك أبناء الوطن أمام التحديات، وحيث كونها قائمةً على مبدأ التحدي والثقة بالنجاح، وحيث هي، من جانبٍ آخر، تحمل في مضمونها رمزية التسامح وصداقة البيئة، بل وتطويعها واستثمارها كعنصرٍ صديق، وهو بالفعل ما قام به الإنسان الإماراتي من تحويل البيئة الصحراوية، على سبيل المثال، إلى جنةٍ وواحةٍ مورقة بثمار الإنجاز والإفادة، ليس فقط لشعب الإمارات، بل ولكلّ من جاء محباً ومُعجباً بهذا النموذج الإنساني القوي، والذي أخذ بالأسباب وبنى حضوره الكبير الذي نعتزّ به اليوم.
إنّ كلّ الصفات الإيجابية والمؤثرة في التفكير الوطني قد رسّخت في أذهان الشباب والشعراء والفنانين والتشكيليين والنحاتين ومصممي الشعارات الفنية الوطنية، وهم يعزفون سيمفونيتهم المتميزة، معاني العزة والشمم والتسامح، من خلال هذا التشابك الجميل للشجرة، ولأصدقاء هذه الشجرة من أبناء الإمارات.

استمرارية وبقاء
وإذا أطلقنا لذكرياتنا العنان فإننا حتماً سنعود من رحلةٍ عظيمةٍ في كون الشجرة، بظلالها الطبيعية، شاهدةً على تجمّع الأجداد تحت ظلالها، وتشاورهم في تحدي المعطى الطبيعي والجغرافي، للاستمرارية والبقاء، بل وصناعة الإماراتيين لنموذجهم الوطني، حين تصبح الشجرة وطناً، وأفكارَ نقاش ومشاوراتِ الأجداد، كوجوه مبكرة للديمقراطية والشورى في عرف التفكير السياسي والاجتماعي. وهكذا ينطق كلّ ما في شجرة الغاف بلسان حال الرواد والأجداد والشباب، في هذه الرحلة الجميلة الشائقة والصداقة القوية التي لا يمكن أن تنفصم عراها في كلّ الظروف والأحيان.
وفي الحقيقة، فإنّ شاعر الإمارات المايدي بن ظاهر، وقبل كل تلك السنين، استطاع أن يمكث في ذاكرتنا، وهو يصف الشجر والمطر، ويرسّخ فينا الثقافة والفكر الأدبي الرائع في الإحساس بالمكان وتجلياته التي تبدو اليوم في أقوى حالاتها، كرمزية للتلاحم والصمود الوطني، والإحساس بقيمة وعظمة الوجود على هذه الأرض، وهو وجودٌ يمنح الإنسان الإماراتي الثقة في أن يعتزّ بتراثه الذي يمدّه بكلّ أسباب القوة والبقاء ومواجهة التحديات.

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©