فاطمة عطفة (أبوظبي)
منذ افتتاحه عام 1981، تحوّل المجمع الثقافي التابع لدائرة الثقافة والسياحة- أبوظبي إلى أحد أبرز المعالم التي أسهمت في تشكيل الوعي الثقافي الإماراتي وصناعة المشهد الإبداعي الحديث، وعلى مدى أكثر من أربعة عقود، لعب المجمع دوراً محورياً في اكتشاف المواهب ورعاية الفنانين والكتّاب والمثقفين، كما شكّل مساحة حيوية للحوار والتبادل الثقافي، ونافذة أطلّت منها التجارب الإماراتية على العالم.
ومع استمرار حضوره في المشهد الثقافي، يستعيد عدد من الفنانين والمبدعين محطات من تاريخ هذا الصرح، مؤكدين أن المجمع الثقافي لم يكن مجرد مكان للعرض والفعاليات، بل مؤسّسة أسهمت في بناء الحركة الفنية الإماراتية، وترسيخ مكانتها محلياً ودولياً.

يرى الفنان التشكيلي والخطاط محمد مندي، رئيس وحدة بيت الخط العربي – التعليم والتوعية في المجمع الثقافي، أن تأسيس المجمع شكّل نقطة تحوّل مهمّة في مسيرة الثقافة والفنون بالدولة، إذ وفّر للمبدعين منصّة متكاملة للتعبير عن تجاربهم وتطوير مهاراتهم.
ويؤكد مندي أن الاهتمام الرسمي المبكر بالثقافة والفنون يعكس رؤية حضارية أدركت أهمية الإبداع في بناء المجتمع، مشيراً إلى أن إنشاء المجمع جاء استجابة لحاجة حقيقية إلى مؤسّسة ثقافية قادرة على احتضان المواهب، وتوفير بيئة داعمة للإنتاج الفني والمعرفي.
كما يلفت إلى أن موقع المجمع بجوار قصر الحصن، وفي قلب العاصمة أبوظبي، منحه بُعداً رمزياً وثقافياً خاصاً، وجعله جزءاً أصيلاً من الذاكرة الوطنية والثقافية للإمارات.

أكد المصمم والفنان هشام المظلوم أن تاريخ الفن التشكيلي الإماراتي ارتبط ارتباطاً وثيقاً بالمجمع الثقافي، الذي احتضن على مدى عقود أعمال أجيال متعاقبة من الفنانين الإماراتيين، وأسهم في تقديم تجاربهم إلى الجمهور والنقاد والمهتمين بالفنون.
وأشار المظلوم إلى المعرض الجماعي الكبير الذي نظّمه المجمع الثقافي بين سبتمبر 2018 ويونيو 2019، والذي ضم أعمال نخبة من الفنانين الإماراتيين، معتبراً أن مثل هذه المبادرات تعكس حرص المجمع على توثيق التجربة الفنية الإماراتية، وإبراز تطورها عبر الأجيال.
وأضاف أن النشاط الفني المتواصل الذي شهده المجمع أسهم في تنشيط سوق الفنون الجميلة، وشجّع على تأسيس صالات عرض ومؤسسات فنية متخصصة، الأمر الذي عزّز من حضور الفن الإماراتي، واستقطب فنانين ومهتمين بالفنون من مختلف أنحاء العالم. وأكد أن هذا الحراك لم يقتصر على الإنتاج الفني وحده، بل امتد إلى مجالات النقد والتقييم الفني واقتناء الأعمال، ما ساعد على نضج المشهد التشكيلي، واتساع قاعدته الجماهيرية والثقافية.

تحولات كبيرة
ترى الفنانة التشكيلية خولة يوسف الحوسني، أن المجمع الثقافي يمثّل جزءاً من الوجدان الفني الإماراتي، نظراً لما قدمه من دعم متواصل للمبدعين منذ تأسيسه.
وتصف الحوسني المجمع بأنه «مدرسة ثقافية وفنية» احتضنت الفنانين وقدّمت أعمالهم إلى الجمهور، وأسهمت في ظهور العديد من الأسماء التي تمكّنت لاحقاً من تحقيق حضور محلي وعالمي.
وأكدت أن كثيراً من التجارب الفنية الإماراتية التي وصلت إلى الساحة الدولية كانت بداياتها من قاعات المجمع الثقافي، الذي حافظ على رسالته الأساسية المتمثلة في خدمة الإبداع ووضع الفنان في صدارة اهتماماته.
وترى أن المجمع لا يزال يحتفظ بمكانته الخاصة في ذاكرة المجتمع الثقافية، وسيبقى شاهداً على مراحل تطور الحركة الفنية والثقافية في أبوظبي، ومرجعاً مهماً للأجيال الجديدة من الفنانين والمثقفين.
وعلى الرغم من التحولات الكبيرة التي شهدها المشهد الثقافي الإماراتي خلال العقود الماضية، ما زال المجمع الثقافي يحتفظ بمكانته كأحد أبرز المؤسّسات التي أسهمت في بناء هذا المشهد وصياغة ملامحه. فمن خلال معارضه وبرامجه ومبادراته المتنوعة، واصل دوره في دعم الإبداع وتعزيز الحوار الثقافي، مؤكداً أن رسالته التي انطلقت قبل أكثر من أربعين عاماً ما تزال مستمرة في صناعة المستقبل الثقافي للإمارات.