محمد عبد السميع (أبوظبي)
تستطيع الرواية العربية الاقتراب من القارئ حين تستلهم تاريخها الاجتماعي القريب، وتستند إلى ما حفظته الذاكرة الشعبية من حكايات وتجارب تناقلتها الأجيال. فمثل هذه الأعمال لا تكتفي بسرد الأحداث، وإنما توظفها لبناء شخصيات ورسائل تنطلق من الواقع، وتعيد تقديمه في قالب روائي يجمع بين المتعة والمعرفة.
ومن هذا المنطلق، تعود الكاتبة سمر نور إلى تفاصيل التراث الاجتماعي النوبي في مصر عبر روايتها «آشا: يوم وصول الرجل الأحمر»، الصادرة بعد روايتها «آشا: الجعران والقمر»، لتواصل مشروعاً سردياً يستلهم البيئة النوبية وتاريخها الاجتماعي. حيث تسعى الكاتبة تسعى إلى بناء سلسلة روائية تستعيد هذا التراث بلغة معاصرة، انطلاقاً من قناعة بأن الرواية لا تنفصل عن الحاضر، بل تعيد قراءة الماضي، وتستثمره في طرح أسئلة الواقع.
وتجعل سمر نور من الحكاية الشعبية محوراً لمشروعها السردي، باعتبارها المنبع الأول لفن السرد، فمن خلالها تتدفق الأحداث، وتنبض الشخصيات، وتتجلى أنماط التفكير والحس الوطني، كما تظهر الفوارق الاجتماعية والطبقية.
وتنجح الكاتبة في الموازنة بين السرد القصصي والبناء الروائي، فتطوع الأحداث بما يحافظ على تشويقها، بينما ترسم صورة للمجتمع النوبي بما يحمله من أعراف ومعتقدات وثقافات موروثة، إلى جانب ما شهده من تحولات وثورات شكلت مراحل صعبة في تاريخه.
وتزداد الرواية ثراءً باختيار أسماء وشخصيات تعكس الواقع الاجتماعي لتلك المرحلة، كما تقدم للقارئ مفردات وأدوات من الثقافة النوبية، بما يمنح العمل بعداً توثيقياً إلى جانب قيمته الفنية، ويجعل الماضي حاضراً في الوعي، وكأنه يُروى بلسان اليوم.