توافق العديد من دور النشر على نشر أعمال بناها أصحابها بالذكاء الاصطناعي
كل الندوات والمقالات والمؤتمرات التي حضرناها وقرأنا أوراقها واستمعنا إلى خبرائها تشير وبجلاء إلى عظمة الدور الذي أحدثه الذكاء الاصطناعي في عوالم الكتابة والنشر، بالإضافة إلى جوانب تسهيله لمهام البحث والابتكار العلمي، وكذا إيجاد الحلول وحفظ الوقت وتجويد العمل، كل هذا كان مستساغاً إلى وقت قريب، غير أن الأدهى والأمر كان حين بدأت العديد من دور النشر ومؤسساتها بالموافقة على نشر أعمال أدبية، شعرية أو روائية أو رسومات، بناها أصحابها بفضل الذكاء الاصطناعي وبإقرارهم أيضاً، ذلك بعد أن أدخلوا له مؤشرات ومكوّنات أعمالهم الشعرية والروائية ليصيغها لاحقاً الذكاء الاصطناعي وفق الشكل الأدبي المراد: مقالة أو رواية أو قصيدة أو قصة، ولعل هذا الرأي القائل بأن الرواية صنعة يعيدنا إلى فكرة تجعلنا ربما نستسيغ قراءة رواية غير طبيعية، فكتاب بيرسي لوبوك «صنعة الرواية» والذي يبحث عميقاً في أساليب بناء الرواية وأسسها ومنطق اشتغالها وفق حبكات وعقد وحلول ونهايات بانورامية ودرامية كتاب يجعل من الأدبية هندسةً وليس تَخلّق قادم من الغياب أو الأعماق الفلسفية التي لا تتأتى بسهولة لأحد، وهذا الرأي لا يعقد المسألة أمام الذكاء الاصطناعي، بل يسمح له عند التأليف بالتلوّن والانفلات نحو مسارات في الرواية كثيرة، فكل شيء أمامه متاح ما دام مستخدم الذكاء الاصطناعي وهو المبدع على أي حال قد قَدّم «الوصفة» وكذا الإطارين الزماني والمكاني، بالإضافة إلى شكل العقدة وحجمها لتطبيق ساحر يستطيع صناعة رواية بمكونات جاهزة أدخلت له ولم تأتِه من العدم! ما نريد قوله هنا: إن كثيراً ممّا سنتذوقه أدبياً لن يكون طبيعياً، ذلك لأنه سيكون مُنكّهاً ومصطنعاً، هذا إذا ما علمنا أن بعض دور النشر أخذت توافق على نشر روايات وأعمال شعرية لأشخاص أشاروا على غلاف أعمالهم أن هذه الأعمال كتبت بفضل أو بمساعدة الذكاء الاصطناعي، لكن يبقى السؤال هنا: مَن يقود مَن؟ الذكاء الاصطناعي أم الأديب؟ وكيف للقارئ أن يعرف أن هذا الشعر أو تلك الرواية هي من صميم تجربة وفكر إنساني وليس من عالم حاسوبي، الإجابة في الحقيقة ليست صعبة، فمن سمح مثلاً لمحمود درويش بأن يقدم قصائد بنصوص غير مشعرنة خالية من أي إيقاع؟ والجواب عند درويش وسواه هو التجربة الإنسانية المكتملة، وأيضاً التفاصيل الأدبية التي صرنا نشعر بأن ملمسها درويشي وليس شيئاً آخر، وهنا أفتح الباب لسؤال شعرية الذكاء الاصطناعي وأساليب الإبداع التي ستكون الفيصل في الحكم النقدي، الذي بدوره لن تُبهره جماليات النص المولّد بالذكاء الاصطناعي، لأنه سيمحّص حتى قاموس الأديب وتجربته وسياقاته وتفاصيله الأدبية التي يتعامل معها، فهل سنبقى قلقين بشأن المبدع؟ *أستاذ بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية كيف للقارئ أن يعرف أن هذا الشعر أو تلك الرواية هي من صميم تجربة وفكر إنساني وليس من عالم حاسوبي؟!