القراءة بُعد معرفي يقوم على الفهم والاستيعاب القراءة وبوصفها مهارة استقبالية تبدو غير متطلبة أو مرهقة؛ فالقارئ لا يجد معها أي عبء يذكر أو صعوبة كما هي عند منشئ النص ومادته، فالقراءة بُعد معرفي خالص يقوم على الفهم والاستيعاب بقصد إنشاء تجاوب وتفاعل يظهر في المتلقي الذي تتغذى معرفته وذاكرته ومعجمه اللفظي على كم القراءة ونوعيتها، فالقراءة، وكما يصفها بعضهم، متعة مؤجلة، تمرّ بداية بما يعرّفه النقاد بالاستحسان القرائي، ثم النفاذ إلى أبعد مستويات وصلها المعنى، فكما أن الكاتب يقرأ ويجهز ويستعد لتشييد نصه، يتثاقف القارئ أيضاً ذلك حين يمارس مثاقفة وعلواً وهو يصطاد المعنى، ويكشف عن المسكوت عنه في النص المقروء، وفي نظرية التلقي الحديثة صار القارئ شريكاً للكاتب في عمله ومنجزه؛ ذلك أن القراءة من جانبها مساهمة محدودة في بناء ذلك النص حتى قبل المضي إلى عمليات الفهم والاستيعاب، والتي ينتج عنها لاحقاً تأويلٌ تحكمه مرجعية القارئ وخلفيته الثقافية لا مرجعية الكاتب وسلطته. إذ الجهد المبذول في بناء النص يختلف كل الاختلاف عن الجهد المبذول من طرف القارئ، بيد أن القارئ هنا يملك حرية تأويلية تُمكنه من أخذ النص المقروء إلى حقول دلالية ومعانٍ لا تبدو على ظاهر النص، ولا في قصد كاتبه، فالكاتب مختص في حين القارئ متنوع؛ يستطيع التنقل والسباحة في حقول المعرفة المختلفة دون تقييد أو إلزام من أحد، ومن تجربة خاصة حاولت بداية أن أتمكن من المصادر والمعارف التي صوّرها وشكلها العلماء المختصون في حقول الخطاب والسرديات وفي النظرية النقدية عموما، لأجد لاحقاً أن المعرفة الإنسانية فلسفة تقوم على بناء تصور واضح حول ماهية الإنسان وموقعه في سياقاته المادية وغير المادية، وهذا الفهم يعني أن العلوم الإنسانية أسبق من العلوم التجريبية والمجردة، وأن الفلسفة أولاً، وأن القراءة بوصفها محاولة للفهم والإفهام هي فلسفة أيضاً، ذلك لأن أي محاولة للإدراك تعني ربط المحسوس بغير المحسوس، وتعني محاولة القراءة أيضاً إيجاد أو تفسير لماهية العلاقة القائمة بين حاجتنا للكتابة والكتابة نفسها، ودور كل منهما في إيجاد المفاهيم التي تقر بها الفلسفة وتسكُن، وكما يقول التفكيكيون: «إن كل قراءة هي محاولة جديدة لمنع حدوث السكون والاطمئنان لما سبق وقرأناه مسبقاً أو اعتقدنا أننا ربما فهمنا بعضه».