هزاع أبوالريش (أبوظبي)
يروي متحف «التاريخ الطبيعي أبوظبي» قصة الكون والحياة على كوكب الأرض من منظور عربي، في إطار يرسخ مكانة شبه الجزيرة العربية بوصفها منطقة ذات أهمية علمية فريدة بحد ذاتها، وشاهدة على مراحل مفصلية من تاريخ تطور الأرض.
وفي هذا السياق، قال مارك جوناثان بيش، رئيس قسم علوم الأرض بالإنابة في متحف التاريخ الطبيعي أبوظبي لـ«الاتحاد»: «قد يندهش كثيرون عندما يعلمون أن أبوظبي قبل نحو سبعة إلى ثمانية ملايين عام، كانت موطناً لأنهار قديمة وفيلة وأفراس نهر وزرافات. وتروي الأحافير التي اكتُشفت في منطقة الظفرة بإمارة أبوظبي قصة استثنائية، تؤكد أن شبه الجزيرة العربية كانت جزءاً محورياً من التاريخ الطبيعي لكوكب الأرض، وعندما يكتشف الزوار ملامح هذه البيئة كما كانت قبل ملايين السنين، يشاهدون بأعينهم الأدلة التي تكشف كيف تغير المناخ عبر الزمن، فتتغير نظرتهم إلى البيئة التي نعيش فيها اليوم». مؤكداً أن فهم ماضي منطقتنا يمنحنا تقديراً أعمق لأهمية الحفاظ على مستقبلها.

وأوضح جوناثان بيش، أن المتحف يرتكز على الاكتشافات الأحفورية في أبوظبي في تعزيز السردية العربية، والتي تتضمن اكتشاف حفريات من العصر الميوسيني المتأخر لفيل الـ«ستيغوتترابلودونإميراتوس» (Stegotetrabelodon emiratus) ذي الأنياب الأربعة، من فصيلة الخرطوميات، والذي يعد من أضخم الثديات التي سكنت شبه الجزيرة العربية خلال تلك الحقبة، حيث بلغ طوله 4 أمتار ووزنه نحو 10 أطنان، وهو ما يضاهي حجم أضخم الفيلة الأفريقية الموجودة اليوم.
علاوة على ذلك، تكشف الحفريات التي عثر عليها في مواقع مثل «أم الأشطان» و«الشويهات» وفي أنحاء منطقة «الظفرة»، عن منظومة بيئية متكاملة كانت قائمة قبل سبعة ملايين عام، عندما كانت طبيعة أبوظبي مختلفة تماماً عن بيئتها الصحراوية التي يراها الزائرون في الحاضر. وإضافةً إلى حفريات الفيلة، يعرض المتحف بقايا لحيوان «فرس النهر» من أواخر العصر الميوسيني، والمعروف علمياً بـ(Archaeopotamus qeshta)، ما يقدم دلائل على وجود أنظمة بيئية نهرية قديماً؛ بالنظر إلى طبيعته البرمائية واعتماد نظامه الغذائي على الأعشاب.
توجد حفريات خيول «هيباريون أبوظبي» (Hipparion abudhabiense) ذات الأصابع الثلاثة المنقرضة، بوفرة في السجل الأحفوري. كما تشير حفريات «باليوتراجوس» (Paleotragus)، وهي زرافة قصيرة العنق، وأنواع من الظباء التي تعود إلى العصر الميوسيني المتأخر والمهيأة للعيش في البيئات المفتوحة، إلى انتشار واسع للمراعي الطبيعية، فضلاً عن وجود تبادل حيواني بين أفريقيا وشبه الجزيرة العربية خلال تلك الحقبة.
كما عثر على حفريات «السنور سيفي الأنياب» في أبوظبي، والتي تعود إلى الحقبة التاريخية نفسها، والذي كان يتمتع بسلوك افتراس فريد بفضل أنيابه العلوية الكبيرة والمسننة التي تميزه عن السنوريات الكبيرة المعاصرة.
وتابع جوناثان بيش: «قبل سبعة ملايين عام، كانت أبوظبي التي نعرفها الآن أشبه بمروج السافانا الأفريقية التي نراها اليوم، تخترق جغرافيتها أنهاراً عظمى، إذ يكشف تشكيل بينونة الجيولوجي عن منظومة نهرية شاسعة كانت تجري عبر سهول خصبة، حيث نمت أشجار السنط والنخيل جنباً إلى جنب مع أنواع أخرى من الشجيرات، ما يشير إلى بيئة دافئة ومطيرة موسمياً، حيث عاشت أفراس النهر والتماسيح والسلاحف والأسماك والطيور في هذه الأنهار وعلى ضفافها، فيما كانت الزرافات والظباء والضباع والنعام والقرود تمر لتشرب من هذه الأنهار وسط بيئة خضراء تعج بمختلف أشكال الحياة».
ويسهم تقديم هذه الحقائق العلمية في تغيير طريقة فهم زوار أبوظبي للبيئة الصحراوية التي تحيط بهم اليوم، حيث تصبح هذه الصحراء بمثابة لحظة عابرة في تاريخ طويل من التغيرات المناخية والتحولات البيئية، كما يسهم في إدراك أن المناظر الطبيعية التي تبدو ثابتة مرت عبر الزمن بمراحل مختلفة، ويربط هذا المنظور بين التاريخ والأسئلة المعاصرة المتعلقة بالتغير المناخي وحماية البيئة، من خلال إظهار أن الأنظمة البيئية لكوكب الأرض تتغير وتتطور باستمرار.
وبيّن جوناثان بيش، أن عبر عشرات الملايين من السنين، مثلت شبه الجزيرة العربية ملتقى طرق طبيعياً لمسارات هجرة الحيوانات عبر أفريقيا وآسيا وأوروبا، وهو ما تظهره الأدلة الأحفورية لمسارات هجرة الفيلة القديمة من أفريقيا عبر الجزيرة العربية وصولاً إلى آسيا وأوروبا، لتبقى تفاصيل رحلتها تلك محفوظةً في سجلاتٍ صخرية شاهدةً على الزمن.
وأوضح أن التاريخ العريق من الحركة والتواصل يشكل أساساً للطريقة التي تدرك بها أبوظبي مكانتها في عالم اليوم، إذ يظهر متحف التاريخ الطبيعي أبوظبي أن شبه الجزيرة العربية كانت دوماً مركزاً للتبادل، حيث استطاعت فيه الكائنات الحية والأنظمة البيئية التكيف مع الظروف المتغيرة، وشكلت جسراً للتواصل بين القارات، وهو ما يتناغم مع هوية أبوظبي المعاصرة كملتقى للشعوب والثقافات.