أبوظبي (الاتحاد)
تمثّل شعارات معارض الكتب عبارات ثقافية مكثّفة تختزل رؤية المؤسسة المنظمة، وتحدد موقع الحدث في المشهد الثقافي الدولي. ومن هذا المنطلق، يكتسب شعار الدورة الخامسة والثلاثين لمعرض أبوظبي الدولي للكتاب، «لنقلب الصفحة ونقرأ العالم»، أهمية تتجاوز حدوده اللغوية، ليقدم قراءة مكثّفة لدور الثقافة في زمن التحولات الكبرى.
فالشق الأول من الشعار، «لنقلب الصفحة»، يرمز إلى الانتقال الواعي من مرحلة إلى أخرى، وهو انتقال يقوم على التعلم، والمراجعة، والتجدد المستمر. ومن هنا، تبدو الصفحة الجديدة استعارة لمرحلة جديدة في صناعة المعرفة، وتطوير أدوات القراءة والنشر والإبداع. فيما تشكّل عبارة «نقرأ العالم» دعوة تنقل القراءة إلى فضائها الحضاري الواسع، فالقراءة هنا قراءة في الأفكار، والثقافات، والتجارب الإنسانية، والتحولات العلمية والتكنولوجية، وصولاً إلى تعزيز قدرة المجتمعات على فهم المتغيرات وصناعة مستقبلها. إنها قراءة تؤمن بالحوار والتبادل الثقافي، وبأن المعرفة هي اللغة المشتركة التي تستطيع أن تجمع الشعوب، على الرغم من اختلاف اللغات والجغرافيا.
ويبدو هذا الشعار منسجماً مع المسار الذي قطعه معرض أبوظبي الدولي للكتاب خلال خمسة وثلاثين عاماً، إذ تطور من فعالية متخصّصة في صناعة النشر إلى منصة عالمية تتقاطع فيها الثقافة مع الاقتصاد، والتعليم، والتكنولوجيا، والدبلوماسية. ولذلك، فإن استقطابه مشاركين من 95 دولة، وتنظيمه نحو 1500 فعالية، ليسا مجرد مؤشر على اتساع حجمه، بل هما انعكاس لدوره في إثراء الحوار الثقافي وبناء الشراكات المعرفية.
كما يكتسب الشعار دلالة إضافية في سياق إعلان دولة الإمارات عام 2026 «عام الأسرة»، إذ يؤكد أن القراءة قيمة اجتماعية تؤسس لأسرة أكثر وعياً، ولمجتمع أكثر تماسكاً، ولأجيال تمتلك أدوات التفكير النقدي والانفتاح على العالم. وهنا تتحول الثقافة إلى استثمار طويل الأمد في الإنسان، باعتباره الثروة الحقيقية لأي مشروع تنموي. ولا يبدو اختيار الخليل بن أحمد الفراهيدي شخصيةً محوريةً للمعرض، وانتقاء رواية «دون كيخوته» للإسباني ميغيل دي سرفانتس «كتاب العالم»، منفصلين عن هذه الرؤية، فالأول يجسّد إسهاماً تأسيسياً في دراسة العربية وعلومها، والثانية تجسّد قفزة نوعية في مسيرة الأدب العالمي.
وهكذا يؤكد المعرض أن الحوار بين الثقافات يقوم على التكامل، وأن المعرفة الإنسانية تتقدم حين تتلاقى مرجعياتها المختلفة في فضاء واحد. وفي هذا السياق، يطرح معرض أبوظبي الدولي للكتاب في شعاره رسالة ثقافية تعكس رؤية دولة الإمارات لدور المعرفة في الألفية الثالثة، فـ«قلب الصفحة» استعداد دائم للتجدد، و«قراءة العالم» قدرة على فهمه والمشاركة في صياغة مستقبله، وبين الفعلين تصبح الثقافة قوةً ناعمة، والكتاب أداةً للحوار، والمعرفة أساساً للتنمية المستدامة وبناء الإنسان.