هزاع أبوالريش (أبوظبي)
في عالم يموج بالتحولات المتسارعة، لم يعد الكتاب مجرد وعاء للمعرفة، بل أصبح جسراً حياً للعبور نحو الآخر. من هذا المنطلق، يكشف الدكتور علي بن تميم، رئيس مركز أبوظبي للغة العربية، في حوار خاص مع «الاتحاد»، كيف نجح معرض أبوظبي الدولي للكتاب في تحويل شعاره لهذا العام «لنقلب الصفحة ونقرأ العالم» من مجرد صياغة لغوية جاذبة إلى استراتيجية عمل متكاملة، ورسالة محبة وتسامح تنطلق من أبوظبي إلى العالم. قال د. علي بن تميم: «قلب الصفحة» ليس دعوة لنسيان الماضي أو التخلي عن الجذور، بل هو شجاعة الانطلاق نحو آفاق جديدة بعد استيعاب ما مضى والتقدم من خلاله. لقد ترجمنا هذا الشعار في أروقة المعرض عبر مدّ جسور التواصل مع مختلف الحضارات، واستضافة بلدان جديدة، وحوارات فكرية تعلي قيم دولة الإمارات من الحكمة والاحترام وبناء الإنسان والاستدامة والوحدة والكرم.

بات المعرض بوابة يطل منها القارئ العربي على فكر العالم، ومنصة يقرأ من خلالها العالم عمق الثقافة العربية في حركة تبادلية فريدة تعيد صياغة مفهوم الدبلوماسية الثقافية. لافتاً، لم يكن لهذه الرؤية الفلسفية أن تتحقق لولا القوة التكنولوجية الهائلة والبنية الرقمية المتطورة التي وظفناها بذكاء. وتابع: الحديث عن الكتاب اليوم لا ينفصل عن التطور التقني بل يتكامل معه. استخدمنا أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، وطورنا منصات رقمية تفاعلية جعلت تجربة زيارة المعرض واقعياً وافتراضياً تجربة استثنائية عابرة للحدود. التكنولوجيا أصبحت شريكاً استراتيجياً يسهل وصول المعرفة، ويرقمن المحتوى العربي، ويدعم صناع النشر عبر حلول لوجستية وتقنية ذكية.

مضيفاً، ومن أبرز الشواهد مشروع المكتبة العربية الرقمية على موقع أمازون، ومشروع الرائد الذي صار أحد أبرز الإضافات العربية إلى عصر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وما ناله معرض صُنّاع الكتاب الصوتي من منتجات.وأكد بن تميم، في قلب هذه التطلعات الاستراتيجية والتكنولوجية، كان البعد الإنساني والاجتماعي الأصيل حاضراً. نحن في «عام الأسرة»، ويؤمن مركز أبوظبي للغة العربية بأن صناعة القارئ تبدأ من كنف العائلة. لذلك حولنا المعرض من فضاء لتسوق الكتب إلى بيئة تفاعلية تجمع الآباء بالأبناء حول مائدة المعرفة، عبر ورش العمل المشتركة وجلسات القراءة التفاعلية التي تعزز الارتباط العاطفي والفكري باللغة العربية داخل المنظومة الأسرية. نجحنا في مأسسة القراءة كقيمة يومية حاضنة أولى لحماية الهوية الوطنية وتنشئة أجيال قارئة ومبتكرة. مختتماً، هذا التناغم الفريد بين الفلسفة الإنسانية للشعار، والقوة التقنية الرقمية، والمسؤولية الاجتماعية منح المعرض خصوصيته على الخريطة الدولية. هو ليس مجرد حدث سنوي ينتهي بانتهاء أيامه، بل هو مشروع حضاري مستدام، ورسالة محبة وتسامح ووعي من قلب الإمارات إلى العالم أجمع. العقول التي تقرأ اليوم هي ذاتها العقول التي ستصنع الفارق وتبني الغد المشرق للإنسانية. وفي عمق هذا التحول تبرز مبادراتنا وفي مقدمتها «أعلام الإمارات» التي لا تكتفي بملامسة الحاضر، بل تؤسس للمرحلة المقبلة، وتغرس بذور الإبداع والعطاء لدى الشباب بناة المستقبل.