اطلعتُ قبل أيام على دراسات تربوية عديدة حول استخدام الأمهات والآباء في السابق لسردية التخويف، سعياً إلى تحقيق غايات يرغبونها من أطفالهم، منها: النوم مبكراً، وإكمال الواجبات المدرسية، والعودة إلى البيت وسواها، بيد أن تلك الدراسات الحديثة كشفت لي بجلاء عن عدم جدوى هذه الاستراتيجية التربوية وبطلان فعاليتها تماماً.
والغريب أن مكتبات الأطفال -ومنها المكتبات المدرسية- تزخر بعدد لا بأس به من القصص التي تتناول شخصية «الغول»، وتحكي حكايات تخويف تبث الرعب في قلوب الأطفال؛ بغية دفعهم إلى قبول أمرٍ ما أو زجرهم عن سواه. ومما كشفته تلك الدراسات أيضاً: عدم جدوى الغول، سواء كان شخصية ورقية أم شفوية متخيلة؛ فقد ركزت على سلبية هذا التوظيف وطرق غرسه في مخيلة الطفل؛ إذ إن مخيلته غضة لينة لم تتضح ملامحها وحدودها بعد. كما أن إدراك الطفل لكائن مستحيل أو عجائبي يعني تقويض عملية الفهم والتأويل لديه؛ فخياله يحتاج إلى تدرج ينتقل من المدرك إلى الغائب، ومن المفهوم إلى المتوقع فهمه، لا أن يتم القفز بخياله نحو شيء لم يألفه من قبل.
والرعب يعني القمع والمنع في آنٍ معاً، بينما تُعدّ أساليب التعليم الأخرى -والقائمة على التحفيز والثواب والتسلية- أساليب إنمائية من شأنها الارتقاء بقدرات الطالب، وتنمية مهارات التفكير الناقد لديه. ولعل الكوابيس التي تؤرق الطفل وتسبب له تبعات سلبية -منها التبول اللاإرادي- تكمن علّتها في المخزون الصوري السلبي الذي يملكه؛ فالحلم عبارة عن تراكيب صورية مخزونة في الذاكرة، كان الطفل قد عاين حضورها في سياقه الواقعي، فانعكست زائرةً له في منامه. وهذا الظلام الحلمي تترتب عليه نتائج سلبية عديدة، لا تقتصر على اضطراب النوم وحسب، بل تمتد إلى السلوك والتفكير والتحصيل المدرسي.
وهنا نؤكد أن حاجة الطفل المتعلم إلى الحكاية الشعبية مهمة جداً؛ إذ تكرس لديه قيم الانتماء والهوية والاعتزاز، على ألا تشمل شخصية «الغول» كونها من المستحيلات الثلاثة؛ فلا أرضية تاريخية للغول ولا لنظرائه. وهناك الكثير من الحكايات التي تناسب الأطفال وتليق بقدراتهم ومستواهم؛ فقد نشط حقل أدب الأطفال واكتنز بالعديد من القصص التي آن الأوان لتسيدها المشهد التربوي، لتحل محل سرديات الخوف؛ فالهدف الأسمى من قصص الأطفال هو توسيع الخيال وتحرير العقل، لا ملؤه بالخوف.
*أستاذ بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية