علي عبد الرحمن (القاهرة)
على امتداد عقود، لم تكن أغاني العيد مجرد أعمال موسيقية موسمية، بل تحوّلت إلى جزء من الوجدان العربي نفسه، فهي أغنيات صنعت أرشيفاً خفياً للبهجة الجماعية، وربطت الأعياد بذاكرة لا تزول. ومع الزمن تحوّلت بعض الأعمال إلى طقوس ثابتة تعلن قدوم العيد، وتملك قدرة نادرة على استحضار زمن كامل من الدفء والفرح، وكأنها تعيد كل عام كتابة الحنين العربي بصوت الموسيقى.
«يا ليلة العيد»
تبقى «يا ليلة العيد»، العمل الغنائي الأكثر التصاقاً بصورة العيد في الوجدان العربي، غنّتها كوكب الشرق أم كلثوم، كلمات أحمد رامي، وألحان رياض السنباطي، وظهرت للمرة الأولى عام 1939 ضمن فيلم «دنانير»، قبل أن تتحوّل مع الزمن إلى ما يشبه النشيد غير الرسمي للفرح العربي في مواسم الأعياد.
ولم تتوقف الذاكرة عند هذا الحد، بل امتدت إلى صفاء أبو السعود، التي صنعت واحدة من أشهر أغنيات العيد العائلية عبر «أهلاً بالعيد»، كلمات عبد الوهاب محمد، وألحان جمال سلامة. والأغنية التي خرجت إلى الجمهور في ثمانينيات القرن الماضي، تحوّلت إلى لازمة ثابتة في صباحات العيد التلفزيونية.
إيقاع عصري
خلال السنوات الأخيرة، رسَّخت الأغنية الإماراتية حضورها في مشهد العيد الخليجي والعربي، مستفيدة من قدرة لافتة على المزج بين الروح التراثية والإيقاع الحديث، وبين الدفء المحلي والانفتاح على الذائقة العربية الأوسع. ومع هذا الحضور المتصاعد، أصبحت الأغنية الإماراتية جزءاً من ملامح العيد المعاصر في المنطقة.

ويتصدر المشهد الفنان حسين الجسمي، عبر أغنيته «عيدك بلمبارك»، التي نجحت في تحقيق انتشار واسع، وتحوّلت إلى واحدة من أكثر الأغنيات الحديثة تداولاً في مواسم الأعياد، بفضل بساطتها اللحنية ودفئها الإنساني الذي يلامس فكرة العيد.
كما حافظت الأغنية الإماراتية على امتدادها الاحتفالي من خلال أصوات راسخة، مثل ميحد حمد، وعيضة المنهالي، اللذَين قدّما أعمالاً ارتبطت بالمناسبات الاجتماعية والطقوس الخليجية، حيث تتداخل الأغنية مع «اللمة» العائلية وتفاصيل الحياة اليومية في الخليج، لتصبح جزءاً من نسيج الفرح لا مجرد تعبير عنه.

أما بلقيس فتحي، فقد منحت الأغنية الإماراتية بُعداً شبابياً معاصراً عبر أعمال مثل «العيد جاء»، التي قدّمت إيقاعاً سريعاً وكلمات احتفالية بسيطة، تستهدف الجيل الجديد وتواكب تحولات الذائقة الموسيقية من دون أن تنفصل عن روح المناسبة.
روح «العايدين»
في الخليج العربي، لا تقدَّم أغاني العيد بوصفها أعمالاً موسيقية موسمية فحسب، بل كامتداد طبيعي لطقس اجتماعي أوسع، يتشكّل في المجالس العائلية، ويستقر في تفاصيل الزيارات، ويتوزّع بين هدوء البيت ودفء اللقاءات، ويتخذ العيد إيقاعاً مختلفاً، أقل صخباً وأكثر قرباً من الذاكرة اليومية، حيث تصبح الأغنية جزءاً من «اللمة» لا تعليقاً عليها.

ويبرز الفنان طلال مداح، بوصفه أحد أبرز الأصوات التي أسست لهذا الحضور، عبر أغنيته «كل عام وأنتم بخير»، كلمات الشريف منصور، وألحان محمد المغيص، لتتحول مع الوقت إلى إحدى أكثر أغنيات التهنئة تداولاً في الأعياد الخليجية والعربية، بما تحمله من بساطة لحنية.
كما رسّخ محمد عبده، حضوره العيدّي عبر أغنية «ومن العايدين»، كلمات إبراهيم خفاجي، وقدِّمت للمرة الأولى إذاعياً عام 1971. ومع مرور الزمن، أصبحت الأغنية أقرب إلى نشيد احتفالي يتردد في البيوت والمجالس، ويعيد صياغة لحظة التهاني بوصفها طقساً اجتماعياً متوارثاً.
وبرزت أغنية «باركوا يا حباب» للفنان الكويتي عوض الدوخي، و«يا جمال العيد» لعبادي الجوهر، حيث يتداخل الطابع التراثي مع البهجة البسيطة، في صياغة موسيقية تعكس ملامح الاحتفال الخليجي التقليدي القائم على المشاركة والأنس الجماعي.
ومع تطور الأغنية الخليجية الحديثة، حافظت الأعمال الجديدة على هذا الامتداد، مع إضافة مساحات أكثر عصرية في التوزيع والإيقاع. وتبرز أغنيات مثل «حياك يا العيد» لراشد الماجد، و«جانا العيد وغنينا» لعبد المجيد عبد الله، و«جانا العيد» لماجد المهندس، بوصفها امتداداً معاصراً لذاكرة غنائية خليجية تعيد إنتاج الفرح.
صوت الحنين
في لبنان، لا تقدَّم أغاني العيد بوصفها احتفالاً صاخباً، بل كحالة وجدانية هادئة تتكئ على الحنين ولمّة العائلة ودفء التفاصيل الصغيرة، ليبدو العيد أقرب إلى استعادة زمن جميل، بقدر ما هو احتفال بالحاضر، فتتحول الأغنية إلى مساحة لاسترجاع صور البيوت القديمة، واللقاءات العائلية، وإيقاع الحياة البسيط الذي يمنح المناسبة معناها الإنساني الأعمق.

وتأتي أغنية «أيام العيد» لفيروز، كلمات وألحان الأخوين رحباني، في مقدمة الأعمال التي جسّدت هذا الإحساس اللبناني الخاص. فهي لا تصف العيد بقدر ما تعيد تشكيله كحالة من الحنين الدافئ، ليبدو العيد امتداداً طبيعياً لذاكرة المكان والإنسان معاً.