الإثنين 9 نوفمبر 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
الترفيه

شيخة الجابري تكتب: اللوحة خارج الإطار

شيخة الجابري
9 نوفمبر 2026 01:08

لم تَعُد الفنون حبيسة القاعات المغلقة، ولا رهينة الجدران التي تفصل الأعمال الفنية عن الحياة اليومية للناس. فقد أصبح الفن يخرج إلى الساحات والحدائق والطرقات، ليشارك المدينة تفاصيلها، ويمنح الأماكن المألوفة وجوهاً جديدة، وربما يدفع العابرين إلى التوقّف والتأمّل في مشهد اعتادوا المرور به من دون انتباه.
وقد استوقفتني الأعمال الفنية التي احتضنَتها مدينة العين ضمن بينالي أبوظبي للفن العام، الذي انطلق في العين 23 أكتوبر الماضي، ويصل إلى أبوظبي في 15 نوفمبر الجاري، ليستمر في المنطقتَين حتى 15 فبراير 2027.
وما استلهمته الأعمال الفنية من عناصر البيئة المحلية والموروث الثقافي، كالأفلاج والفنون البحرية والحُلي والصناعات التقليدية، هي تجربة تفتح أمامنا سؤالاً يتجاوز جمال الأعمال: ماذا يحدث حين يصبح الفن جزءاً من المكان الذي نعيش فيه؟
إن حضور الفن في الفضاء العام ليس مجرَّد إضافة جمالية، بل فرصة لإعادة اكتشاف علاقتنا بالمدينة وذاكرتها، فالعمل الذي يستلهم الفلج، مثلاً، لا ينبغي أن يكتفي باستحضار شكله، وإنما يمكن أن يقود المتلقي إلى معرفة دوره في حياة الناس، وما ارتبط به من قيَم التعاون والعدالة في توزيع المياه، وهي قيَم تستحق أن تبقى حاضرة في وعينا.
وتحويل المدينة إلى معرض مفتوح لا يتحقّق بمجرد توزيع المنحوتات والأعمال الفنية في ساحاتها. فثمة فرق بين عمل نمر بجواره ونلتقط له صورة، وآخر يستوقفنا ويدعونا إلى التفكير، أو يوقظ في ذاكرتنا حكاية، أو يثير فضول طفل يسأل عن معناه.
وهنا تبرز مسؤولية المؤسسات الثقافية في تقديم هذه التجارب بلغة قريبة من الجمهور، من خلال شروح واضحة، وجولات معرفية، وبرامج مدرسية، وحوارات مع الفنانين. فالفن المعاصر قد يبدو غامضاً لبعض المتلقين، وليس من الإنصاف أن نطالب الجميع بفهم رموزه من دون أن نمنحهم مفاتيح قراءته.
ولعل أجمل ما في الفن العام أنه يمنح الثقافة فرصة للوصول إلى مَن لا يقصدون المعارض عادة، ويجعل اللقاء بالجمال جزءاً من الحياة اليومية، لا مناسبة استثنائية نرتِّب لها زيارة خاصة. وحين تنجح المدينة في احتضان الفن، لا تتغير ملامحها البصرية وحدها، بل تتسع مساحة الحوار بين الإنسان والمكان، وبين الذاكرة والخيال.
فالمدينة لا تصبح معرضاً مفتوحاً بكثرة الأعمال الفنية فيها، وإنما حين يشعر أهلها بأن تلك الأعمال تحكي شيئاً من قصتهم، وتضيف معنىً جديداً إلى حياتهم، وهذا ما حقّقه «البينالي» في مقاصده ومراميه الفنية التي نظِّم لأجلها.

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©