أكرم ألفي (القاهرة)
قال خبراء ومحللون سياسيون: إن مستقبل السودان لا يمكن أن يُبنى أو يرتبط بأي شكل من الأشكال بجماعة «الإخوان»، مؤكدين أن التجربة الممتدة منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي أثبتت أن هذه الجماعة كانت أحد أبرز أسباب الأزمات البنيوية التي قادت البلاد إلى الانقسام والحروب والانهيار المؤسسي، وأن أي مسار جاد نحو الاستقرار لا بد أن يبدأ بإقصائها سياسياً وفكرياً من المشهد العام. وأوضح الخبراء لـ«الاتحاد» أن الصراع الدائر في السودان لا يمكن فصله عن إرث طويل من التوظيف الأيديولوجي للدولة، حيث جرى استغلال الدين كغطاء للسلطة، ما أدى إلى إضعاف مفهوم الوطنية الجامعة، وتغليب منطق التنظيم على منطق الدولة، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على وحدة السودان وأمنه واستقراره الداخلي، فضلاً عن تأثيراته الإقليمية الخطيرة.
وأكّد الخبير في القانون الدولي وحقوق الإنسان، المعز حضرة، أن مستقبل السودان لا يمكن أن يُربط بحركة «الإخوان»، مشدداً على أن جذور الأزمات الراهنة تعود بشكل مباشر إلى سيطرة «الجماعة» على مفاصل الدولة منذ انقلاب 30 يونيو 1989، لافتاً إلى أن فكرة الوطن أو الوطنية في الأيديولوجيا «الإخوانية» ليست أولوية، بل يتم التعامل مع الدولة باعتبارها أداة لخدمة التنظيم، لا ككيان جامع لكل السودانيين.
وأوضح حضرة لـ«الاتحاد» أن هذه الأيديولوجيا كانت سبباً رئيساً في تفكيك السودان، بدءاً من انفصال الجنوب، مروراً بمحاولات تفجير النزاعات في دارفور وكردفان وغيرهما من الأقاليم، لافتاً إلى أن «الجماعة» لا ترى مانعاً في تقسيم ما تبقى من السودان إذا كان ذلك يخدم استمرار نفوذها أو عودتها إلى السلطة، معتبراً أن هذا النهج يمثل تهديداً وجودياً حقيقياً للسودان كوطن، كما يشكل تهديداً مباشراً للأمن القومي لدول المنطقة بأسرها.
ولفت حضرة إلى أن الحرب المستمرة منذ نحو ثلاث سنوات كان من الممكن إيقافها في مراحلها الأولى، غير أن إصرار «الإخوان» على استثمار الصراع كوسيلة وحيدة لاستعادة سلطتهم ومكانتهم السياسية أدى إلى إطالة أمده، من دون أي اعتبار لحجم الخسائر البشرية أو المعاناة الإنسانية. وقال حضرة: إن «ما يُسمى بحرب الكرامة ليس سوى وهم، لأن هذه الحرب أهانت كرامة السودان وشعبه، وألحقت أضراراً جسيمة بالمدنيين، الذين يدفعون الثمن الأكبر».
وشدد الخبير في القانون الدولي وحقوق الإنسان على أن «حال السودان لن ينصلح إلا بإبعاد هذه الجماعة عن المشهد، والتعامل معها باعتبارها تنظيماً إرهابياً مسؤولاً عن تقويض الدولة وإشعال الحروب»، مؤكداً أن العدالة الانتقالية والمساءلة القانونية تشكلان مدخلاً أساسياً لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
من جهته، اعتبر المحلل السياسي، علي الشعباني، أن التجربة السودانية تمثل نموذجاً صارخاً لفشل الجماعة في إدارة الدولة، مشيراً إلى أن هذه الجماعات أينما وُجدت قدّمت التنظيم على الوطن، والأيديولوجيا على مصالح الشعوب، ما أدى إلى تفكك الدول وانتشار الصراعات، موضحاً أن ربط مستقبل السودان بـ«الإخوان» يعني إعادة إنتاج الأزمة نفسها بأدوات مختلفة، وإبقاء البلاد في دائرة الصراع وعدم الاستقرار. وأضاف الشعباني لـ«الاتحاد» أن السودان أمام مفترق طرق حاسم، إما الانخراط في مسار وطني جامع يؤسس لدولة مدنية حديثة تقوم على المواطنة وسيادة القانون، أو البقاء رهينة لمشاريع أيديولوجية عابرة للحدود ولا تعترف بخصوصية الدولة الوطنية، مؤكداً أن إقصاء «الإخوان» من المشهد السياسي لا يعني إقصاء الدين من الحياة العامة، بل تحرير الدولة من هيمنة تنظيم استغل الدين لتحقيق مكاسب سياسية ضيقة.
إلى ذلك، شدد المحللون على أن إعادة بناء السودان تتطلب مشروعاً وطنياً شاملاً يعالج جذور الأزمة، وليس فقط مظاهرها العسكرية، عبر إصلاح سياسي عميق، وإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة، وبناء عقد اجتماعي جديد يضمن مشاركة كل المكونات بعيداً عن الإقصاء الأيديولوجي، معتبرين أن التجارب السابقة أثبتت أن التساهل مع جماعة «الإخوان» أو منحها فرصة جديدة للمناورة السياسية لا يؤدي إلا إلى مزيد من الانقسام والعنف.
وأوضحوا أن الرهان الحقيقي يجب أن يكون على القوى المدنية والوطنية القادرة على إدارة مرحلة انتقالية تؤسس للاستقرار والتنمية، وتحمي وحدة السودان وسيادته، بعيداً عن التنظيمات التي تسببت في إضعاف الدولة وتمزيق نسيجها الاجتماعي، لافتين إلى أن مستقبل السودان لن يبدأ فعلياً إلا مع طي صفحة «الإخوان»، وفتح صفحة جديدة تقوم على دولة القانون والمؤسسات، بما يضمن الأمن والاستقرار للسودان وللمنطقة بأكملها.