خالد عبد الرحمن (الاتحاد)
3 سنوات أتمتها الحرب المستعرة في السودان مخلفة واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في التاريخ وفقاً لتوصيف المنظمات الأممية، وملايين المهجرين وعشرات الآلاف من القتلى في الوقت الذي يضيع أي أفق سياسي لوقف الأزمة الممتدة منذ أكثر من 1100 يوم كاملة.
وبحسب خطة الاحتياجات الإنسانية والاستجابة لعام 2026، يعاني نحو 61.7% من سكان السودان، أي ما يعادل 28.9 مليون نسمة، من انعدام الأمن الغذائي الحاد.
وعلى مدار الحرب الدائرة، وثقت عدة جهات مستقلة استخدام الجيش السوداني للسلاح الكيميائي، ما دفع دولاً لفرض عقوبات، منها الولايات المتحدة التي أعلنت أنها خلصت إلى أن الجيش السوداني استخدم أسلحة كيميائية خلال العام الماضي.
وقالت وزارة الخارجية الأميركية أمس في بيان سابق: إن الولايات المتحدة ستفرض عقوبات على السودان بعد ثبوت استخدام حكومته أسلحة كيماوية عام 2024 خلال صراع الجيش، وأن الولايات المتحدة ملتزمة تماماً بمحاسبة المسؤولين عن المساهمة في انتشار الأسلحة الكيميائية.
ويعد الإخوان الطرف المسيطر على إدارة الحرب بمساعدة أطراف إقليمية، إذ كشفت الخزانة الأميركية، بعد تحقيقات ووثائق، أن تنظيم الإخوان الإرهابي استخدم عنفاً غير مقيد ضد المدنيين بهدف تقويض الجهود الرامية لحل النزاع في السودان.
وقالت لنا مهدي عضو منظمة العفو الدولية مستشار الإعلام الدولي وفض النزاعات، إن حرب السودان الممتدة منذ أكثر من 3 سنوات تعد مدمرة وغيرت وجه السودان ولم تكن مجرد لحظة صدام عابر، بل نتيجة مباشرة لمسار من القرارات السياسية والعسكرية التي قادت البلاد نحو الانفجار بدل تجنيبه.
وأضافت أنه في صلب هذا المشهد تتحمل قيادة الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان المسؤولية الكاملة عن قرار الذهاب إلى خيار القوة، وإغلاق مسارات التفاهم السياسي، وتغليب منطق الحسم العسكري على أي تسوية كانت ممكنة.
وأشارت إلى أنه مع اندلاع الحرب، انتقلت المواجهة إلى قلب المدن والأحياء، ودفع المدنيون الثمن الأكبر، مؤكدة أن القصف، والانهيار الأمني، واتساع رقعة العمليات داخل المناطق السكنية، كلها خلقت واقعاً إنسانياً بالغ القسوة، جعل حياة الناس رهينة لآلة الحرب وتداعياتها.
وقالت: إن المسؤولية السياسية والأخلاقية عن لحظة الانفجار الأولى تبقى مرتبطة بالقرار الذي جعل الحرب خياراً مطروحاً، وأدخل السودان في دوامة لا تزال آثارها تتفاقم حتى اليوم، فبدلاً من حماية الانتقال السياسي، جرى الدفع نحو إدارة الأزمة بالسلاح، وهو ما فتح الباب أمام أكبر كارثة إنسانية في تاريخ البلاد الحديث.
وأضافت أنه بعد ثلاث سنوات، لا تزال الحصيلة ثقيلة: دولة متهالكة، مجتمع ممزق، وملايين الضحايا بين نزوح وفقد وتشريد. ويبقى السؤال الجوهري قائماً: كيف وصلت البلاد إلى هذه اللحظة، ولماذا غلب صوت الحرب على صوت السياسة؟
في السياق ذاته، استعرض العميد متقاعد في الجيش السوداني، عادل مرغني، مسار تغلغل تنظيم الإخوان، داخل المؤسسة العسكرية السودانية، مؤكداً أن هذا النفوذ لم يكن طارئاً، بل تطور تدريجياً حتى بلغ ذروته مع انقلاب عام 1989.
وأوضح أن ما ميّز تلك المرحلة هو الانتقال من نمط الانقلابات التقليدية، التي يقودها ضباط ثم تحظى بدعم سياسي لاحق، إلى نموذج مختلف قائم على إعداد كوادر عسكرية مؤدلجة مسبقاً، عبر تجنيد دفعات كاملة داخل الجيش وتوجيهها فكرياً وتنظيمياً.
وأشار إلى أن هذا النهج أفضى إلى ما عُرف بسياسة «التمكين»، حيث جرى إعادة تشكيل هياكل القوات المسلحة والأجهزة الأمنية من خلال إحالة أعداد كبيرة من الضباط المهنيين إلى التقاعد، واستبدالهم بعناصر تدين بالولاء للتنظيم، ما انعكس على كفاءة المؤسسة وانضباطها.
في ضوء ذلك، ذكر المحلل السياسي السوداني محمد صابر أن 3 سنوات من الحرب أصبحت ذاكرة للجريمة المنظمة من الإخوان وتغلغلهم وتحويلهم السلطة إلى أداة قمع واضحة ضد الشعب السوداني، مستدلاً على حادث قصف مدينة الضعين الواقعة في الجزء الشرقي من إقليم دارفور، مشيراً إلى أن الاستهداف لم يكن حادثاً منفصلاً، بل امتد ليطال النسيج المدني بالكامل.
وأضاف صابر أن ما يحدث في الضعين يكشف بوضوح أن الصراع تجاوز استهداف المواقع العسكرية، ليتحول إلى حرب مفتوحة على المدنيين ومقومات حياتهم، بما في ذلك المرافق الصحية والمنازل، وهو ما يعكس مسؤولية مباشرة للأطراف المتصارعة، وفي مقدمتها القوات المسلحة السودانية وعناصر مرتبطة بالإخوان، عن هذا التصعيد الخطير.
من جهته، أكد المحامي السوداني المتخصص في القانون الدولي وحقوق الإنسان، المعز حضرة، أن ما تشهده البلاد بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب يعكس نمطاً متكرراً من الجرائم والانتهاكات الجسيمة، وعلى رأسها استهداف المنشآت الطبية، مشيراً إلى أن هذه الوقائع تكشف عن تورط واضح لتنظيم الإخوان الإرهابي، الذي يتحمل مسؤولية مباشرة عن تصاعد هذا النوع من الجرائم في المرحلة الحالية.
وأوضح حضرة أن استمرار هذه الانتهاكات يعكس غياب أي التزام بالقانون الدولي الإنساني، لافتاً إلى أن حظر تنظيم الإخوان داخل السودان بات ضرورة ملحة، استجابة لمطالب ظلت ترفعها القوى المدنية منذ يونيو 1989، خاصة في ظل تورط الجماعة في عمليات عنف متعددة أودت بحياة مدنيين، وأسهمت في تعميق الأزمة الإنسانية التي تعيشها البلاد.