كانت النية حتى مساء السبت الماضي أن يكون موضوع هذه المقالة هو البيان الذي صدر عن اجتماع وزراء خارجية دول «استانة» مع 5 دول عربية، لكن التطور السريع للأحداث التي غيّرت الموقف جذرياً بعد ساعات قليلة على صدور البيان، والتي جعلته غير ذي موضوع، وإن بقيت له دلالاته. ومن الواضح أولاً أن الأحداث قد سبقته، فلم يكن له أي أثر على التطورات المتسارعة التي انتهت بسقوط النظام السوري، ومن الواضح أيضاً أن البيان بدا وكأنه يُسَلم بسقوط النظام، بدليل أن جوهره انصب على الحديث عن السعي لإيجاد حل سياسي لوقف العمليات العسكرية، بما يحمي المدنيين، ويحافظ على سوريا وسيادتها، ويحميها من الفوضى والإرهاب.. فلا حديث عن دعم النظام مع مجرد تلميح لخطر الإرهاب.
وقد ركزت التحليلات الفورية بعد حدث سقوط النظام على تفسير الحدث بـ«استبداد وفساد» النظام نفسه، واختفى الحديث عن مسؤولية الأيادي الخارجية، مع أن بصماتها شديدة الوضوح. كما أن حالة البهجة التي غمرت خصومَ بشار الأسد طغت على أسئلة المستقبل، سواء في المدى القريب أو المتوسط أو البعيد، وهي أسئلة بالغة الأهمية لسوريا ومحيطها العربي، وبالذات جوارها المباشر، وكذلك للتوازنات الإقليمية والدولية.
وأول الأسئلة يتعلق بمستقبل الاستقرار في سوريا، فهل يعني السقوط السهل للنظام سهولةَ مهمة القوى التي سيطرت على السلطة في تحقيق الاستقرار؟ والحقيقة أن إعمال العقل لابد أن يفضي إلى الإجابة بالنفي، فمعادلة الاستقرار في سوريا أكثر تعقيداً من أن تحلها جماعات مصنفة دولياً في خانة التنظيمات الإرهابية، بغض النظر عن الخطاب السياسي الوديع المتسامح لقادة هذه القوى حالياً، ناهيك بالتعقد الشديد للبنية السكانية في سوريا، وإرث الماضي البعيد والقريب بالنسبة للعلاقة بين مكونات الديموغرافيا السورية، بل إن تهديد الاستقرار قد ينبع من الخلافات بين الفصائل ذاتها التي استولت على السلطة.
وثاني الأسئلة متفرع عن السؤال الأول، ويتعلق بمعضلة أكراد سوريا الذين أعلنوا الحكم الذاتي منذ سنوات، والفزاعة الكردية لتركيا التي تساند القوى الجديدة في سوريا معروفة.. فكيف ستتصرف هذه القوى مع معضلة أكراد سوريا؟ وهل توافقهم على طموحاتهم وتغضب تركيا؟ أم ترضيها وتصطدم بهم، آخذاً في الاعتبار أنهم يحظون بدعم أميركي؟
وثالث الأسئلة عن العلاقة المستقبلية بين القوى الحاكمة الجديدة والحلفاء الإقليميين والدوليين للنظام القديم، وعلى رأسهم إيران وروسيا. قد تكون تسوية العلاقات مع إيران من الصعوبة بمكان، وقد شاهدنا في الساعات الأولى لسقوط النظام هجمات قد تكون غير مخططة على السفارة الإيرانية، فهل يكون التصعيد مع إيران حتمياً؟ التصريحات الإيرانية الأولى أوحت باستعداد للتعامل مع الوضع الجديد. أما الحالة الروسية فمختلفة، لأنها تتصل بالعلاقة مع دولة كبرى، وقد كانت هناك لهجة قبول بالأمر الواقع في الإعلام الروسي، لكن قضايا العلاقة مع الوضع الجديد معقدة، وأخطرها ما يتعلق بالقاعدتين العسكريتين الروسيتين في سوريا. وبالتأكيد فإن سقوط النظام السوري سيخصم من نفوذ الدولتين، إقليمياً ودولياً.
ورابع الأسئلة يتصل بالوجود العسكري الأميركي في سوريا، وقد أجاب أحد قادة الجماعات المسلحة عن سؤال حول موقفه من هذه القوات إجابةً مراوغة تفتح الباب لإمكانية تفاهم.. والأسئلة لا تنتهي، ومحاولة الإجابات عنها بالغة التعقيد.
*أستاذ العلوم السياسية - جامعة القاهرة


