بعد نحو أسبوع من وقف إطلاق النار بين الجيش الإسرائيلي، و«حزب الله» في جنوب لبنان، وقّع وزير الطاقة في حكومة تصريف الأعمال وليد فياض قراراً يمنح الشركة النرويجية الأميركية «تي جي إس» رخصة بإجراء مسح زلزالي ثلاثي الأبعاد لمساحة قدرها 1300 كيلومتر مربع في البلوك رقم 8 في المنطقة الحدودية.
وبموجب هذا القرار، ستتم إعادة معالجة البيانات السابقة على امتداد البحر اللبناني، باستخدام تقنيات حديثة ومتطورة، إضافة إلى دمج كامل المسوحات لعشرة بلوكات، وعرضها على شركات الاستكشاف العالمية، بغية الترويج والتسويق لدورات التراخيص. ولفت فياض إلى أن ما يميز شركة «تي جي إس» أنها تلتزم بتمويل نصف تكلفة المسوحات، وتساعد على تسويقها، لجذب الشركات العالمية، لاسيما الفرنسية والأميركية.
وتكمن أهمية هذا القرار في كونه أعاد إطلاق أنشطة النفط الاستكشافية بشكل فعلي، إذ إن التحاليل الناتجة عن المسوحات المقرر إجراؤها، في حال كانت إيجابية، قد تجذب الشركات للتنقيب عن النفط والغاز في البلوك رقم 8، والأهم من ذلك أنها انطلقت خلافاً للمماطلة التي يمارسها الكونسورتيوم الذي تقوده شركة «توتال» الفرنسية، ويضم شركتي «إيني» الإيطالية، و«قطر للطاقة» القطرية.
وقد سبق لهذا الكونسورتيوم أن قدم للدولة اللبنانية عرضاً بإجراء مسح زلزالي يستغرق 4 سنوات، بينما ستنجز شركة «تي جي إس» هذا العمل، خلال سنة واحدة، وفق دفتر الشروط المطابق للمعايير العالمية. وتأتي هذه التطورات، تنفيذاً لاتفاق ترسيم الحدود البحرية الموقّع في 27 أكتوبر 2022 بين لبنان وإسرائيل، لاستثمار الغاز في المناطق المتنازع عليها، وذلك برعاية أميركية وتحت إشراف الأمم المتحدة.
وقد وصفه الرئيس الأميركي جو بايدن بأنه «تاريخي، ويمهد الطريق لمنطقة أكثر استقراراً وازدهاراً». وفي هذا السياق بدأت شركة «توتال» حفر أول بئر في حقل قانا في البلوك رقم 9، لكنها توقفت عن الحفر في 15 أكتوبر2023، معلنةً عدم وجود كميات تجارية في البئر، فيما ربط المراقبون الأسبابَ الحقيقية لوقف الحفر بتطورات الحرب الإسرائيلية في غزة، والتي بدأت قبل أسبوع من ذلك التوقف، ثم امتدت إلى جنوب لبنان مع «حزب الله» اللبناني.
وخلال احتدام المعارك العسكرية، أعلن وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين مطالبته بإلغاء اتفاق ترسيم الحدود الموقع بين الجانبين (اللبناني والإسرائيلي)، واعتبر أنه كان «خطأً منذ البداية، ويتعين إصلاحه». لكن طلبه لم يتحقق، لأن عملية إلغاء الاتفاق أو تعديله تتطلب موافقة الطرفين، إضافة إلى موافقة الولايات المتحدة التي قامت بدور «الرعاية»، وتقوم حالياً بدور «الوصاية» على الخطوات التنفيذية، وفقاً للبنود الواردة في الاتفاق، ولعل أهمها أن «تكون الولايات المتحدة المرجع في تسيير المناقشات بينهما لحل أي خلافات بشأن تفسيره».
ومع إعلان وقف إطلاق النار في أواخر شهر نوفمبر الماضي، جاءت «الوصاية» الأميركية الثانية لتدعم «الوصاية» الأولى، من خلال تأليف اللجنة الخماسية التي كُلفت برقابة آلية تطبيق الاتفاق وضبط الانتهاكات، برئاسة الجنرال الأميركي جاسبر جيفرز، ومعه فريق عسكري كبير اتخذ السفارة الأميركية في بيروت مقراً له، وتضم ضابطاً فرنسياً كبيراً يمثل حكومة بلاده، ومندوباً عن كل من لبنان وإسرائيل والأمم المتحدة، إضافة إلى المبعوث الأميركي آموس هوكشتاين الذي من المقرر أن يشغل منصب «الرئيس المدني» للجنة. وقد وُصف هذا الإنجاز بأنه خطوة «مطمئنة» للبنانيين، وفرصة مهمة للبنان من أجل استعادة الأمن والاستقرار والازدهار، واستعادة سيادته على كامل أراضيه.
*كاتب لبناني متخصص في الشؤون الاقتصادية


