أدت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران إلى مفارقة لا يمكن لأي من الطرفين تجاهلها. فبينما تتبادل واشنطن وطهران التهديدات والتحذيرات والمطالب علناً، يدرك الطرفان خلف الأبواب المغلقة أن تكلفة استمرار عدم الاستقرار باتت باهظة بشكل خطير.
وتمتلك الدولتان حالياً دوافع قوية للسعي إلى شكل من أشكال التوافق، حتى وإن لم تكن أي من الحكومتين مستعدة سياسياً للاعتراف بذلك صراحة. وبالنسبة للرئيس دونالد ترامب، فإن المخاطر الاستراتيجية والسياسية واضحة. فاستمرار الاضطرابات في مضيق هرمز يهدد الاقتصاد العالمي في وقت لا تزال فيه الأسواق المالية شديدة الحساسية لصدمات الطاقة والغموض الجيوسياسي.
وأي انقطاع مطول في خطوط الملاحة قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط بشكل حاد، والإضرار بالمستهلكين الأميركيين، وربما التسبب في ركود عالمي.
وإذا ما اندلعت مثل تلك الأزمة الاقتصادية، فسيواجه ترامب تداعيات سياسية داخلية. فارتفاع التضخم، وعدم استقرار الأسواق المالية، ومخاوف الركود، كلها عوامل قد تُضعف بشكل خطير حظوظ «الجمهوريين» في انتخابات التجديد النصفي لعام 2026، وتُضعف الموقف السياسي للرئيس طوال ما تبقى من ولايته.
وتواجه القيادة الإيرانية ضغوطًا مماثلة، إذ يدرك النظام الإيراني المتشدد أن سنوات العقوبات والعزلة المالية قد أضعفت أسس الاقتصاد الإيراني بشكل تدريجي. وقد أدى التضخم والبطالة وتدهور مستويات المعيشة إلى تقويض ثقة المواطنين وإثارة تساؤلات جدية حول شرعية النظام على المدى البعيد. ومع ذلك، لا ينظر أي من الطرفين إلى الصراع من منظور اقتصادي بحت.
وتصر إدارة ترامب على أن أي تسوية يجب أن تضمن عدم امتلاك إيران لسلاح نووي. كما تسعى واشنطن إلى فرض قيود كبيرة على قدرات إيران الصاروخية الباليستية، وتطالب بإنهاء دعم إيران للحلفاء الإقليميين مثل «حماس» و«حزب الله» و«الحوثيين» في اليمن. ومن وجهة النظر الأميركية، تُعد تلك القضايا جزءاً لا يتجزأ من أي تسوية إقليمية دائمة. ومن ناحية أخرى، من غير المرجح أن تقبل القيادة الإيرانية قيوداً كبيرة على نفوذها الإقليمي ما لم تحصل على تنازلات ملموسة.
وقبل كل ذلك، تريد إيران تخفيف العقوبات، وإنهاء الحصار البحري، والحصول على ضمانات بوقف العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد «حزب الله» في لبنان. وفي الواقع، يسعى كلا الجانبين إلى التفاوض عبر نظام من الروابط السياسية والاستراتيجية، حيث يعتمد كل تنازل على عدة تنازلات أخرى. ولا تنتهي التعقيدات عند هذا الحد. فقد أشار ترامب إلى أن التوصل إلى تسوية إقليمية أوسع قد يُدخل إيران والدول العربية الكبرى في إطار موسع لاتفاقيات أبراهام، وصولاً إلى الاعتراف الدبلوماسي بإسرائيل. وتصر معظم الحكومات العربية على قبول إسرائيل بخطوات جادة نحو إقامة دولة فلسطينية قبل أي تطبيع أوسع. وفي المقابل، سترفض إيران أي اتفاق يُضعف نفوذها الإقليمي أو موقفها الأيديولوجي تجاه إسرائيل.
كما تسعى قوى إقليمية أخرى إلى تعزيز دورها في تشكيل مستقبل الشرق الأوسط. فكل من باكستان وتركيا ومصر تنظر إلى الأزمة الراهنة كفرصة لتوسيع نفوذها الدبلوماسي وتأمين مصالحها الاستراتيجية. ومن شأن مشاركتها أن تُضيف المزيد من القضايا إلى جدول أعمال المفاوضات المزدحم أصلاً.
وفي الوقت نفسه، تريد الولايات المتحدة طمأنة حلفائها وخصومها على حد سواء، ولا سيما الصين وروسيا، بأن القوة الأميركية لا تزال قادرة على حماية الممرات البحرية الدولية والحفاظ على قوة الردع العالمية. أما إيران، فتسعى للحصول على اعتراف دولي بأنها ستواصل ممارسة نفوذها في منطقة الخليج والمنطقة الأوسع. ويشير ذلك إلى أن السلام لن يتحقق سريعاً أو بسهولة. فالقضايا العالقة أكثر تعقيداً وحساسية سياسية من أن تسمح بحدوث انفراجة سريعة.
لكن المفارقة أن الوقت تحديداً هو ما لا يستطيع الاقتصاد الأميركي ولا الإيراني تحمله.ولذلك، قد يكون السيناريو الأكثر ترجيحاً هو مرحلة مضطربة من الدبلوماسية الجزئية والمواجهة المحدودة تمتد طوال صيف وخريف عام 2026، في صراع لا يعتبر حرباً كاملة، لكنه أبعد ما يكون عن السلام.
*مدير البرامج الاستراتيجية- مركز ناشونال انترست.


