ليس هذا مُجردَ شعارٍ يُرتجل، بل هو تعبيرٌ أصيلٌ عن سرِّ الارتباط بهذه الأرضِ الطيبة، إنها معادلةٌ عظيمةُ المفعول، عميقةُ الأثر، ذلك المعنى الصادق الذي يتغلغلُ في كل ذرةٍ من كيانِ إنسانِ هذه الأرض، فيستحيل عطاءً متوهجاً، ودمعةً حارةً، وفخراً عند كل إنجازٍ، وإجلالًا كلَّما رفرف العَلَم، واستبسالًا طاهرًا في كل ساحات الوطن، -على الحدود، وفي العمل والوظيفة، والمنبر والإعلام- وتمثيلاً مشرفاً حَضراً وسفراً، تتنفسها المناهجُ التربوية، وتتوارثُها البيوتُ في التنشئة الأسرية، ويسري ذلك المعنى في كل شريانٍ ليمد ويمتد لكل جيلٍ من الأجيال.
تلك العلامةُ الباذخة في تاريخ دولة الإمارات، فبها صان الآباءُ والأجدادُ هذا الإرثَ الوطني العظيم عبر أعتى الشدائد والتحديات، فما ارتضوا لوطنهم نداً، ولا بغوا له بديلاً. وهي ذاتها الركيزةُ المتجلية اليوم في مراقي نهضتِنا الحضارية والتنموية، حيث لا انفصالَ ولا انفصامَ بين التطور وبين تلك الروح التي تحفظُ للدولة رسوخَها وجذورَها، إذ إن غياب الهوية مدعاةٌ للانجراف للهاوية. وعلى هذا النهج الثابت، تقود قيادتنا الحكيمة سفينةَ الوطن، وتُوجه بوصلتَه نحو المستقبل بخطى واثقةٍ ثابتةٍ.
ففي مسيرة الحياة، تعتور الإنسان مطامح ومطامع، وتتجاذبه عوامل التأثير ونوازع التأثر، بَيْد أن أقدس المواثيق التي ينبغي أن تكون محصنةً ومعصومةً من تلك المخالب، هي العلاقة بالوطن، تلك الحقيقة الثابتة الصلبة التي كلما اهتزتْ اختلت كل الموازين الأخرى، فلا تحتمل التذبذبَ ولا التردد.
فهذا المبدأُ الخالدُ: «الإمارات هي الهوى والهوية»، يعني الخلاص من تلك التجاذبات والمؤثرات، والإخلاص للوطن جبلةً وفطرةً وعبادةً وعادةً، فالهوى هنا ليس إلا تلك المحبةُ الصادقة المغروسة في أعماق النفس وأحشائها، والميلُ الراسخ الذي لا يُبنى على عوامل ظرفيةٍ ومرحليةٍ، ذلك العشقُ الأبدي الذي تكون النفس به مطمئنةً قريرةَ العين، حتى يكون نبضاً طبيعياً كالهواء تماماً، شهيقُه حياةٌ، وتنفسُه شرطٌ للبقاء، وهذا المعنى يُستلهم من لفظ الحديث النبوي: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به». فهذا الهوى مبدأ لا خيارَ معه، ولا مساومةَ عليه، لأن من يتقلّب وُدّه أو يتغيرُ ولاؤُه تجاه وطنه لا أمانَ له ولا عهد. 
إن الرابطةَ الوطنية حين تبلغ هذا المدى من التجذرِ والعمقِ، وتستقرُّ في سويداء النفس، تضبط الإيقاع، وتُوجه رغباتِ المرء، وتطرد كل الميولات المشتِّتة جانبًا، لتبقى بوصلةُ الوطن هي الموجِّه والمحدِّد، لا تجنح بصاحبها يمنةً أو يسرةً، «لا شرقيةً ولا غربيةً». 
ومن هذا العمق الطبيعي يتشكل الالتزامُ الوثيق، ويرتبط الإنسان بأرضه ويحبُّ وطنَه، فمتَى لم تكن تلك الرابطةُ ريانةً بالولاء، مُفعمةً بصادق المشاعر والوجدان، فقدتْ الهويةُ روحَها وبريقَها، فذلك المعنى المكنونُ في الهوى هو جوهرُ الهوية، وكل هويةٍ بدونه فهي خلاءٌ وخواءٌ، يصدق فيها قوله سبحانه: «وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ». 
وفي ظل تزاحم المؤثرات، وتقاطع الولاءات، وتعقُّد التحديات في عصر السيولة والتغيرات، نعتصمُ بالثوابت الوطنية، فهي «الركنُ الشديدُ». فلا مكان في الدولة الوطنية لأصحاب هوَى ولاءاتٍ عابرةٍ للحدود، أو ارتباطاتٍ فكريةٍ أو أيديولوجيةٍ تُدار من الخارج، كما أنه لا مجال للحيادِ، أو الازدواجيةِ، والرمادية في قضايا الوطن، فالوطنُ لا يعامَلُ بلغةِ المنافع الضيقة، أو الحساباتِ الشخصية، وما كان هذا المنطقُ ليحضرَ ببَالِ مَنْ جعل وطنَه هوًى وهويةً وعقيدةً، لأنه أسبقُ من كل رابطةٍ، وأوثقُ من كل علاقةٍ.
وهذا المبدأُ يدحض تلك المجاملاتِ الباردةَ الزائفةَ: «قلبي مع وطني وهواي في جهةٍ أخرى...!» فالهوى واحدٌ، والوطن واحدٌ لا يقبل القسمة، و«مَا جَعَلَ الله لِرَجُل منْ قَلْبَيْنِ في جوفه».
أتاني هواه قبل أن أعرف الهوى … فصادف قلبا خاليا فتمكنا
فهوى الوطن يعلو كلَّ نازعٍ، ويُقرب كلَّ بعيدٍ، ويسهل كلَّ صعيبٍ، كما قيل: «ليسَ البعيدُ معَ الهوى ببعيدِ»، ويكفي نسيمُه المبارك ليهتزَّ الوجدان، ويحركَ كل ساكنٍ، وقد شدا الشاعر قديما:
إذا رحلت نحو اليمامة رفقةٌ … دعاك الهوى واهتاج قلبكَ للذكرِ
فالإماراتُ هي هوانا وهويتُنا، وحاضرُنا ومستقبلُنا، وركنُنا الشديد الذي نأوي إليه، أدام الله عزها ومجدَها، وبارك في أرضها ونمائها، وحفظ أجيالَها وكبارها، وحرس بعينه التي لا تنام قيادتَها وشعبَها.
*رئيس الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف والزكاة.