منذ أن وعى الإنسان هشاشة الذاكرة، صنع للمعنى وعاءً يعبر به الأزمنة؛ فكان الكتاب ذاكرةً تتجاوز فناء الأفراد، وعقلاً جمعياً تتوارثه الحضارات، فبه قاوم النسيان، ووسّع حدود تجربته، وأودع الصفحات صوتاً يبقى بعد غيابه. حملت الألواحُ الطينية شرائع المدن الأولى، وصانت خزائن بغداد وقرطبة تراث العقل، ثم منحت الطباعةُ المعرفة قدرةً أوسع على الانتشار. ومن أسواق المخطوطات القديمة إلى معارض النشر الحديثة، غدت معارض الكتاب مؤسساتٍ لتداول الأفكار، وعقد الشراكات، واكتشاف المؤلفين؛ أي صورةً مدنيةً لمجتمع يؤمن بأن تقدمه يبدأ من قارئ، وأن مستقبله يُصاغ بين دفتي كتاب. 
وفي أبوظبي، تستعيد هذه الفكرة معناها الأكثر إشراقاً؛ إذ تحتضن العاصمة الدورة الخامسة والثلاثين من معرضها الدولي للكتاب، تحت رعاية صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله. 
ومنذ انطلاقته عام 1981، نما المعرض مع طموح العاصمة، حتى صار ظاهرة ثقافية فريدة ومتجددة، تجمع الجامعات، والمجامع العلمية، ومراكز الفكر، ودور النشر، والكتّاب، وصنّاع الإبداع. داخل أروقته تتحول القراءة من فعل فردي إلى خبرة اجتماعية نابضة؛ نلتقي المؤلفين والمفكرين والمثقفين، ونشهد الأفكار وهي تخرج من صمت الصفحات إلى حيوية الحوار، وفي ظلاله تُختبر قوة الثقافة على بناء الصلات بين المجتمعات، وتجديد الأسئلة المشتركة. هكذا يغدو المكان محفل معرفة، تتجاور فيه التخصصات، وتتعارف الأجيال، وتتسع به خريطة العقل العربي والعالمي.ويبلغ الاحتفاء بالتراث ذروته مع اختيار الخليل بن أحمد الفراهيدي شخصيةً محورية للدورة؛ ذلك العقل المؤسس الذي نقل الدرس اللغوي من الملاحظة المتفرقة إلى بناء علمي محكم. وضع «كتاب العين»، أول معجم عربي، ورتّب مادته وفق مخارج الحروف، فجمع بين دقة السماع ومنطق التصنيف، واستنبط علم العَروض، فكشف البنية الإيقاعية للشعر، وطوّر علامات الضبط التي أعانت القارئ على صون النطق والدلالة. كانت عبقريته مشروعاً ممتدَّ الأثر في هندسة اللغة ذاتها؛ منح العربية أدوات وعيها بنفسها، وحوّل موسيقاها الكامنة إلى معرفة قابلة للفهم والتعليم والاستمرار. 
ويمتد خيط الوفاء من أعلام التراث إلى أعلام الوطن، فيحتفي المعرض بمعالي محمد أحمد المر بوصفه أول شخصية ضمن مبادرة «أعلام الإمارات». وهذه تحية مستحقة لقامة تركت بصمة خالدة في تشكيل الوعي والمشهد الثقافي الإماراتي؛ كاتب للقصة القصيرة التقط تحولات المجتمع بحس إنساني نافذ، ومؤسس أسهم في بناء المؤسسات ورعاية الفنون والقراءة. جمع المر بين موهبة السارد ومسؤولية رجل الثقافة، فصارت تجربته جسراً يصل الذاكرة الشعبية بالمدينة الحديثة، ويصل الإبداع الفردي بالمشروع الوطني. وفي تكريمه اعتراف بأن الثقافة مسيرةٌ يصنعها أشخاص، ثم تتحول آثارهم إلى ذاكرة وطن. 

وتتجلى فرادة المعرض في كونه منصة تنويرية حداثية بامتياز، تُحسن وصل أصالة المعرفة بأسئلة الحاضر وتقنيات المستقبل. أروقته مصونة من خطابات التطرف والكراهية، ومفتوحة لثقافة الحوار، وفضيلة الاختلاف، وجمال التنوع الإنساني، وهي سمة تمنحه مكانة متميزة بين معارض العالم العربي. كما يتوزع محتواه على الأعمار والاهتمامات كافة: للطفل دهشة الحكاية، وللشاب أفق الاكتشاف، وللباحث أدوات المعرفة، وللأسرة فضاء مشترك يجمع المتعة بالتعلم. وبهذا التكوين الرحب، يمارس المعرض التنوير فعلاً يومياً هادئاً، يبني المناعة الفكرية عبر الكتاب، ويجعل الحداثة وعياً أخلاقياً قبل أن تكون مظهراً تقنياً. 

هكذا يتجاوز معرض أبوظبي الدولي للكتاب حدود المناسبة الثقافية، ليغدو بياناً حضارياً تكتبه العاصمة كل عام؛ فأبوظبي، وهي تقلب الصفحة وتقرأ العالم، تؤكد أن المدن الكبرى تُقاس أيضاً بما تفتحه للعقل من نوافذ، وما تمنحه للإنسان من أسباب الارتقاء. هنا يلتقي إرث الفراهيدي ببصيرة محمد المر، وتلتقي ذاكرة العربية بمستقبل المعرفة في مشهد يختصر فلسفة الإمارات: هوية واثقة، وعقل منفتح، وثقافة تصون الإنسان. ويبقى الكتاب في قلب هذا كله بداية السؤال، ورفيق التحول، والطريق الأهدأ إلى نهضة تستحق المستقبل.
*كاتب إماراتي