في العلاقات الدولية، تستطيع الدول أن تغيّر تحالفاتها وتعيد ترتيب مصالحها من دون أن تفقد مصداقيتها، فهذه تحوّلات تفرضها السياسة. لكن المصداقية تبدأ في التآكل حين يتغير الموقف لا لأن المعطيات تغيّرت، بل لأن هوية الطرف تغيّرت. عندها لا تعود ازدواجية المعايير مجرد مفارقة سياسية، بل تصبح كلفةً استراتيجيةً تُضعف الالتزامات، وتستنزف القدرة على الإقناع، وتقوّض الثقة التي يقوم عليها النفوذ.
وفي عالم تتسع فيه الفجوة بين المبادئ المعلنة وحسابات المصالح، تبرز السياسة الإماراتية بنهج مختلف. فقد بنت الإمارات شبكة واسعة من الشراكات مع قوى تتنافس وتتباين، من دون أن يؤثّر ذلك في وضوح موقفها الوطني.
فقيمة هذا التنوع لا تكمن في أن يمنح الدولة أكثر من موقف، بل في أن يوسّع خياراتها ويحمي قرارها من الارتهان لطرف واحد. فالاستقلال الاستراتيجي لا يُقاس بكثرة الخصومات، وإنما بقدرة الدولة على التعامل مع مختلف القوى من موقع وطني مستقل، وبامتلاكها مساحة كافية للحركة والاختيار في نظام دولي تتعدد فيه مراكز القوة. والثبات هنا لا يعني تكرار الاستجابة نفسها أمام وقائع مختلفة، بل اتساق المنطق الذي ينتج الاستجابات.
فالسياسة الحيّة لا تواجه التهديد الأمني بالأداة التي تدير بها خلافاً دبلوماسياً، ولا تتعامل مع الحرب كما تتعامل مع المنافسة الاقتصادية. تتغير الأدوات لأن الواقع تغيّر، لكن ما تعتبره الدولة أمناً وسيادة ومصلحة وطنية لا يتغير تبعاً لهوية الطرف. عندها تكون المرونة قدرة على الفعل، لا مبرراً للتناقض. ومن هذا الاتساق تستمد المصداقية قيمتها الاستراتيجية.
فالدول لا تحتاج إلى شركاء يتطابقون معها في كل قضية، لكنها تحتاج إلى معرفة حدود التزامهم. ويمكن إدارة الخلاف وتعارض المصالح، أما الشراكة العميقة فتحتاج إلى قدر من اليقين بشأن ما يمكن البناء عليه، وما يبقى من الالتزام عندما ترتفع كلفته. فالمصداقية لا تعني أن يكون موقف الدولة مقبولاً لدى الجميع، بل أن يكون منطقها مفهوماً حتى عند الاختلاف معها.
وتأتي الأزمات لتقدم الاختبار الأدق. ففي الظروف العادية قد تختبئ التناقضات خلف الزيارات والبيانات والاتفاقات، أما عند وقوع تهديد أمني، فتضيق المسافة بين الخطاب والسلوك وينكشف ترتيب المصالح. عندها قد يكون موقف واحد أثقل من سنوات من عبارات «الشراكة الاستراتيجية»، لأنه يكشف مقدار ما يبقى من الالتزام حين يصبح له ثمن. ولا ينتهي أثر الاختبار بانتهاء الأزمة، فللدول ذاكرة مؤسسية. قد تستمر التجارة والقنوات السياسية، بينما تتغير درجة الثقة، وحساسية المعلومات المتبادلة، ونوعية التعاون الدفاعي والتكنولوجي، وحجم المخاطر التي يقبل كل طرف تحمُّلها من أجل الآخر.
وقد تبقى العلاقة قائمة، بينما يتراجع وزنها الاستراتيجي بصمت، لأن كل أزمة تضيف إلى سجل تزن به الدول موثوقية شركائها. وفي هذا الإطار يُفهم الجمع الإماراتي بين الحوار والحزم. فخفض التصعيد أداة لحماية المصالح وتجنُّب كلفة غير ضرورية، لا التزاماً يقيّد الدولة حين يتعلق الأمر بأمنها أو سيادتها. والحزم لا يناقض الدبلوماسية عندما يصبح ضرورياً لحماية ما سعت الدبلوماسية إلى صونه.
فالوسيلة تتغير بتغير الموقف، أما الغاية الوطنية فلا تتبدل، الثبات يحدّد ما لا يجوز التفريط فيه، والمرونة تختار الوسيلة الأقدر على حمايته. وتلك هي حكمة الإمارات: أنها لم تجعل استقلالها مرادفاً للعزلة، ولا انفتاحها مدخلاً لارتهان القرار.
الإمارات وسّعت علاقاتها لتزيد خياراتها، واستثمرت في الحوار وخفض التصعيد، لكنها لم تتعامل مع أمنها بوصفه مجالاً للمساومة أو رهناً بحسابات الآخرين. فحين يتعلق الأمر بسيادة الدولة وسلامة أراضيها وأمن مواطنيها، تنتهي مساحة الالتباس وتصبح حماية الإمارات هي المعيار الذي تُوزن به المواقف والشراكات.
فالدولة الراسخة تستطيع أن تغيّر أدواتها حين يتغير الواقع، وأن تعيد تقدير علاقاتها حين تتغير الظروف، من دون أن تسمح لأي شريك أو ظرف بأن يعيد تعريف أمنها نيابة عنها. وهذه هي معادلة الإمارات: شركاء متعدّدون، وخيارات واسعة، وقرار مستقل، ومرونة تستوعب تحوّلات العالم، وثبات لا يقبل المساومة عندما يكون أمن الإمارات وسيادتها على المحك.
*كاتب وباحث إماراتي


