يثير سؤال «من صنع الإسلام السياسي؟» جدلاً واسعاً بين الباحثين، لأنه يفترض وجود جهة واحدة أو مشروع واحد يقف وراء جميع حركات ما يُعرف بـ«الإسلام السياسي». إلا أن الأدبيات الأكاديمية تشير إلى أن الظاهرة أكثر تعقيداً، فهي نتاج تفاعل بين عوامل داخلية في العالم الإسلامي، وظروف الاستعمار، والصراع الدولي خلال الحرب الباردة، وسياسات القوى الكبرى التي دعّمت في مراحل مختلفة بعض الجماعات أو استفادت منها لتحقيق أهداف جيوسياسية. لذلك فإن الحديث عن «صناعة» الإسلام السياسي بصيغة مطلقة لا تدعمه معظم الدراسات الأكاديمية، بينما تؤكد مصادر عديدة وجود حالات موثّقة من الدعم أو التوظيف السياسي لبعض الحركات في ظروف تاريخية محددة.
الولايات المتحدة وحلفاؤها أقاموا خلال عقود الحرب الباردة علاقات مع بعض الحركات الإسلامية لمواجهة النفوذ السوفييتي والقومية العربية واليسار في الشرق الأوسط وآسيا. وهناك أمثلة متعددة على التعاون غير المباشر أو المباشر في سياقات سياسية مختلفة، لكننا لا نذهب إلى القول إن الولايات المتحدة أو بريطانيا أو غيرها أنشأت «الإسلام السياسي» من الصفر، بل يُرى أنها ساهمت في تقوية بعض تياراته في ظروف معينة.
وفي السياق نفسه، دعّمت الولايات المتحدة بالتعاون مع باكستان ودول عربية المجاهدين الأفغان خلال الاحتلال السوفييتي لأفغانستان في ثمانينيات القرن الماضي. وتُعد هذه العملية واحدة من أكبر برامج الدعم السري في تاريخ وكالة الاستخبارات المركزية، وقد أسهمت في تدفق التمويل والسلاح والتدريب إلى الفصائل الأفغانية، وهو ما ترك آثاراً بعيدة المدى على المشهد الأمني والإقليمي بعد انتهاء الحرب.
وأرى أن صعود الحركات «الإسلامية» المسلحة لا يمكن فهمه بعيداً عن سياق الحرب الباردة والسياسات الدولية، ولكن يجب التحذير من اختزال الظاهرة في نظرية المؤامرة أو العوامل المحلية، مثل القمع السياسي والعسكري، والتفسير الحصري والخاطئ للموروث الديني، وربط الدين بهوية الشعوب وعاداتها، وفشل مشاريع الدولة الوطنية، وتراجع الثقة بالمؤسسات التقليدية، وحلم عودة الأمجاد الماضية وربط ذلك بتقدير الذات وقيمتها، والانقسام المذهبي، والتراجع العلمي والبحثي والفكري، وضعف التنمية، والأزمات الاقتصادية والاجتماعية، والبطالة، والفقر، وغياب الأمل وغيرها من العناصر المؤثرة، التي لعبت دوراً أساسياً في نمو هذه الحركات، إلى جانب التدخلات الخارجية.
فقد أصبحت بعض المؤسسات «الإسلامية» في أوروبا جزءاً من التنافس الاستخباراتي والسياسي بين الشرق والغرب بعد الحرب العالمية الثانية، حيث إن أجهزة استخبارات غربية تعاملت مع بعض الشخصيات الإسلامية باعتبارها شركاء محتملين في مواجهة الاتحاد السوفييتي، وهو ما يعكس استخدام الدين أحياناً كأداة ضمن الصراع الدولي، دون أن يعني ذلك التحكم الكامل في مسار تلك الحركات، ولا سيما حين تتوفر في سجلات مكتبة أيزنهاور الرئاسية (NSC Records) خلفية مهمة لفهم كيفية توظيف الدين والسياسة في مواجهة النفوذ السوفييتي منذ خمسينيات القرن العشرين، حيث تظهر الوثائق اهتماماً أميركياً باستخدام أدوات سياسية وإعلامية ودبلوماسية متعددة في إطار الصراع العالمي، وإن كانت تعود إلى مرحلة تسبق ظهور معظم الحركات الإسلامية المعاصرة.
وقس على ذلك ما كانت توفره المخابرات البريطانية والفرنسية من مقرات والمساحات التنظيمية وتحويل الهوية الدينية إلى أداة تعبئة سياسية وتوظيف التيارات ودعم مالي ولوجستي لتلك الحركات، وتصنيفها كحراك فكري وحرية رأي وفكر لدرجة طباعة الكتب لتلك الجماعات، وفي هذا السياق يبدو لي أن إثبات وجود مشروع غربي لصناعة الإسلام السياسي، كأداة استعمارية وسياسة «فرِّق تسُد» ومنع الوحدات الوطنية ووحدة التكتل الوطني في العالم العربي وسهولة الحصول على الموارد الأساسية للصناعات والتجارة الدولية بأسعار زهيدة في ظل انقسام ورفض تقبل كل للآخر.
ومن الوثائق التي أثارت اهتماماً واسعاً أيضاً الصفحات الثماني والعشرون التي رُفعت عنها السرية من تحقيق الكونجرس الأميركي بشأن هجمات الحادي عشر من سبتمبر. وقد تناولت هذه الوثائق معلومات وتحريات حول اتصالات لبعض الأفراد، لكنها لم تثبت مسؤولية حكومة أجنبية عن تنفيذ الهجمات، وهو ما أكدته التحقيقات الأميركية الرسمية اللاحقة. ولذلك فإن استخدامها يتطلب قراءة دقيقة بعيداً عن الاستنتاجات التي تتجاوز ما ورد فيها.
كما توفّر سجلات مجلس الأمن القومي الأميركي المحفوظة صورة أوسع عن التفكير الاستراتيجي، حيث يظهر اهتمام مبكر باستخدام الديانات لإخضاع الشعوب، وهي سياسة استمرت بأشكال مختلفة خلال عقود طويلة.
إن مراجعة هذه المصادر مجتمعة تقود إلى نتيجة أكثر توازناً، فـ«الإسلام السياسي» لم يُصنع بالكامل في واشنطن أو لندن، كما أنه لم ينشأ بمعزل عن البيئة الدولية. لقد تشكّل في ظل ظروف داخلية معقّدة، ثم تعرّض في مراحل مختلفة للتوظيف والدعم والاستغلال من قبل قوى إقليمية ودولية وفقاً لمصالحها الاستراتيجية. ومن ثم، فإن الفهم الموضوعي لهذه الظاهرة يتطلب الابتعاد عن التفسيرات الأحادية، والاعتماد على الوثائق التاريخية والدراسات الأكاديمية التي تضع الأحداث في سياقها الزمني والسياسي، بعيداً عن الخطاب الدعائي أو التعميمات غير المدعومة بالأدلة.
*كاتب وباحث إماراتي في شؤون التعايش السلمي وحوار الثقافات.


