تكشف المكتبات الوطنية عن جانب مهم من علاقة الدول بذاكرتها المكتوبة، وعن سبل حفظها وإتاحتها للقراءة والبحث في الحاضر والمستقبل. ومن خلال ما تجمعه من كتب ووثائق، وما تبذله من جهد في فهرستها وترميمها ووضعها بين أيدي الباحثين والقراء، تتضح مكانة الكتاب في البناء الثقافي والحضاري للدولة. تقدم المكتبة الوطنية الصينية (National Library of China) في بكين نموذجاً لمؤسسة تجمع بين العناية بالمادة الوثائقية، وخدمة البحث، وإتاحة المصادر، وتوظيف التقنيات الحديثة.
يرجع تاريخ المكتبة إلى عام 1909، حين أقرّت حكومة أسرة تشينغ إنشاء «مكتبة العاصمة» في معبد قوانغهوا ببكين. فُتحت أبوابها للقراء عام 1912، ثم بدأت عام 1916 استقبال نسخ الإيداع القانوني للمنشورات الصينية. توالت أسماؤها عبر مراحل تاريخها، حتى استقرّ اسمها عام 1998 على «المكتبة الوطنية الصينية». أما اليوم، فتشغل مرافقها نحو 280 ألف متر مربع، موزّعة على المنطقة الشمالية والمنطقة الجنوبية ومكتبة الكتب القديمة، إلى جانب المتحف الوطني للكتب الكلاسيكية.
يعكس حجم المجموعات ثراء رصيد المكتبة وتنوّعه، فقد تجاوز إجمالي مقتنياتها المادية، وفق بيانات ديسمبر 2025، 46 مليون مادة، تشمل الكتب والدوريات والصحف والمخطوطات والخرائط والرسائل والمجموعات الخاصة والمواد السمعية والبصرية. تبرز بينها نقوش على عظام الحيوانات وأصداف السلاحف يعود تاريخها إلى أكثر من ثلاثة آلاف عام، فضلاً عن وثائق دونهوانغ وتوربان، والكتب القديمة النادرة، والنقوش الحجرية، والخرائط التاريخية، ومخطوطات ورسائل ذات قيمة علمية وتاريخية مهمة. وتكشف مجموعاتها باللغات الأجنبية عن بُعد دولي واضح، إذ تضم مواد ووثائق بـ123 لغة، إلى جانب منشورات صادرة عن منظمات دولية وحكومات أجنبية.
تؤدّي المكتبة وظائف وطنية تتجاوز حجم مجموعاتها، فهي مستودع للوثائق والمعلومات المنشورة في الصين، ومركز للمعلومات الببليوغرافية، ومرجع يساند مؤسسات صُنع القرار والتعليم والجهات البحثية، فضلاً عن الطلاب وعموم القراء والزوّار. كما تشمل مهامها صيانة الكتب القديمة، والمشاركة في تطوير علوم المكتبات، والتعاون مع المؤسسات الثقافية والمكتبية داخل الصين وخارجها.
يمثّل نظام الإيداع القانوني ركيزةً أساسيةً في عمل المكتبة، إذ تستقبل بموجبه نُسخاً من المنشورات الصينية، بما فيها الكتب والصحف والدوريات والمواد السمعية والبصرية والمنشورات الإلكترونية. تُدرج هذه المواد تباعاً في رصيدها الوثائقي، الذي يرصد أوجهاً متعددة من الإنتاج الفكري والثقافي الصيني.
أما في المجال الرقمي، فقد بلغ حجم موارد المكتبة حتى نهاية ديسمبر 2025 نحو 2919 تيرابايت، منها نحو 2.5 مليون عنوان من الكتب الإلكترونية، وأكثر من 13.6 مليون أطروحة دكتوراه ورسالة ماجستير، ونحو 7.3 مليون ورقة مؤتمر، فضلاً عن الدوريات والصحف الإلكترونية والمواد السمعية والبصرية وقواعد البيانات والمجموعات الرقمية المتخصصة. وتفتح الرقمنة مجالاً أرحب للوصول إلى هذه الموارد والاطّلاع عليها ودراستها، مع استمرار العناية بالأصول المادية وفق متطلبات الحفظ والصيانة المتخصصة.
يبرز مشروع «ذاكرة الصين – China Memory Project» بين مبادرات المكتبة في هذا المجال، إذ يجمع شهادات التاريخ الشفهي، والتسجيلات الصوتية والمصوّرة، والمواد الأرشيفية المرتبطة بأحداث وشخصيات مهمة في التاريخ الصيني الحديث، كما يضم مواد تُوثّق عناصر من التراث الثقافي التقليدي. يستوعب السجل الوثائقي هنا النصَّ المكتوب والصوت والصورة والرواية الشفوية.
تخدم المكتبة فئات متعددة من المجتمع عبر قاعات المطالعة والدراسة، وموارد مخصّصة للأطفال، وبرامج تدريبية لكبار السن، ومنصّات رقمية وخدمات مهيّأة لأصحاب الهمم، فضلاً عن المحاضرات والمعارض والبرامج الثقافية والموارد التعليمية المفتوحة. تضع هذه المنظومة المقتنيات في خدمة القراء وأهل الاختصاص، مع مراعاة متطلبات الحفظ والصيانة. ولا تنحصر أدوار المكتبة في نطاقها الوطني، إذ تتصل كذلك بحركة واسعة من التبادل بين الصين ودوائر معرفية وثقافية متعددة حول العالم.
تعود العلاقات بين الصين والعالم العربي إلى قرون بعيدة، وانتقلت المعارف والخبرات والسلع بين الجانبين عبر طرق الحرير البرية والبحرية. وتشير الشواهد التاريخية إلى قيام روابط تجارية بحرية بين شبه الجزيرة العربية والصين منذ القرن الثامن الميلادي على الأقل. وساعد تطور الملاحة وعلوم الفلك وصناعة السفن على اجتياز المسافات البحرية البعيدة، فيما أدّت اللغة العربية دوراً في التبادل العلمي والثقافي على تلك الطرق، وكان لها حضور في الأوساط العلمية الصينية.
أُقيمت العلاقات الدبلوماسية بين دولة الإمارات العربية المتحدة وجمهورية الصين الشعبية في الأول من نوفمبر 1984. وفي 6 مايو 1990، توجّه الوالد المؤسِّس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، إلى جمهورية الصين الشعبية، في أول زيارة رسمية لرئيس دولة من دول مجلس التعاون الخليجي إلى الصين، إذ فتحت الزيارة مجالات جديدة للتعاون بين البلدين، وكان من ثمارها تأسيس مركز الشيخ زايد للغة العربية والدراسات الإسلامية في جامعة الدراسات الأجنبية في بكين، ودعم إنشاء مبنى كلية اللغة العربية في الجامعة.
يشهد المجال المكتبي اليوم تعاوناً أكثر تنظيماً بين الصين والعالم العربي، ومن أبرز ثماره «المكتبة الإلكترونية الصينية-العربية». استضافت نانجينغ في مايو 2025 الدورة السادسة لاجتماع خبراء المكتبات والمعلومات بين الصين والدول العربية. تناولت المناقشات تطور المكتبات في عصر الذكاء الاصطناعي، وآفاق العمل المشترك، وتطوير المكتبة الإلكترونية، وتبادل الموارد والخبرات.
أما الكتب المهداة إلى المكتبة الوطنية الصينية، فتمرُّ بمراحل التقييم والفرز والاختيار وفق معايير الاقتناء المعتمدة، ولا تُدرج في الرصيد المكتبي بمجرد تقديمها. كما تسري على المطبوعات الواردة من خارج الصين ضوابط المراجعة والموافقات المنظمة لقبول المطبوعات الأجنبية.
سعدتُ، في هذا السياق، بإهداء المكتبة الوطنية الصينية في بكين نُسخة من كتابي «زايد.. أسطورة الألفيتين»، الذي يوثّق سيرة الوالد المؤسِّس، المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، ودوره في تأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة ووضع أسس نهضتها الحديثة. كما أتقدم بالشكر والتقدير إلى إدارة المكتبة الوطنية الصينية، وإلى السيد تشانغ شو (Zhang Xu)، مدير قسم التعاون الدولي (International Cooperation Division)، لما لقيته من تعاون وعناية بهذا الإهداء.
فإدراج كتاب عن المؤسِّس الشيخ زايد ضمن مقتنيات مكتبة وطنية بهذه المكانة له دلالة معرفية وتاريخية، إذ يضع أمام المهتمين بتاريخ المنطقة فصلاً من تاريخ دولة الإمارات، من خلال توثيق سيرة المؤسِّس، ومرحلة قيام الاتحاد، وبناء مؤسسات الدولة، والاستثمار في الإنسان.
تكفي عبارتان من ثقافتين مختلفتين لتعبّرا عن منزلة الكتاب، فقد ورد عن الإمبراطور تايزونغ من أسرة سونغ قولٌ يمكن نقل معناه إلى العربية: «في قراءة الكتاب نفع»، وقال الجاحظ في وصف الكتاب: «ينطق عن الموتى، ويترجم عن الأحياء».


