عادت أبوظبي إلى صدارة الجهد التفاوضي بشأن إنهاء حرب أوكرانيا، عندما وصفها الكرملين مؤخراً بالمكان المفضل لعقد المحادثات المقبلة، كما اعتبرتها كييف ضمن الخيارات المحتملة لجولة ثلاثية جديدة تضم الولايات المتحدة. ومع حديث روسي وأوكراني عن إمكان استئناف المفاوضات في أكتوبر، تكتسب عودةُ الأطراف إلى العاصمة الإماراتية، بعد أشهر من الجمود، دلالاتٍ سياسيةً لا تقتصر على موقع المباحثات. المواجهة مع إيران رفعت كُلفةَ استمرار الحرب الروسية الأوكرانية على واشنطن.

 

فاضطراب أسواق الطاقة يزيد الضغوطَ الاقتصادية، وتزامن الطلب على نظام باتريوت في الجبهتين يَضغط على المخزون وخطوط الإنتاج، مع حاجة أوكرانيا المتزايدة إلى الدفاعات الجوية قبل حلول أشهُر الشتاء الباردة. وقد أوفد الرئيس الأميركي دونالد ترامب مبعوثَيه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى موسكو ثم كييف، حيث اجتمعا مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي. ولم تحقق الجولة اختراقاً، لكنها حملت أفكاراً وُصفت بأنها أكثر جدوى مما سبق. وتشير طبيعةُ المقترحات إلى أن الأولوية الآن هي تهدئة مؤقتة، تمهيداً لمسعى أشمل لإنهاء الصراع. التقدم السياسي المحدود يتزامن مع تصعيد عسكري واسع. روسيا تكثّف ضرباتها على منشآت الطاقة والبنية التحتية والموانئ وإمدادات الغذاء، وأوكرانيا توسع هجماتِها بالمسيّرات في العمق الروسي، والطرفان يحاولان تعزيزَ موقعَيهما قبل أي اتفاق.

وكل طرف يريد الوصولَ إلى الطاولة بأوراق أقوى، ما يجعل استئنافَ الحوار ضرورياً وصعباً في الوقت نفسه. وتتركَز نقاط الخلاف الرئيسية حول الأراضي والضمانات الأمنية. فموسكو تطالب بانسحاب القوات الأوكرانية من المناطق الأربع التي أعلنت ضمها، وبالتخلي رسمياً عن الانضمام إلى حلف «الناتو».

وترفض كييف الانسحابَ من الأجزاء التي ما زالت تسيطر عليها في إقليم دونباس، وتطالب بضمانات أمنية تحميها من تجدد الهجوم. لذلك تبقى الفجوة بين الموقفين كبيرة، وتجعل الوصول إلى تسوية نهائية أكثر تعقيداً.

مباحثات أبوظبي في يناير وفبراير الماضي منحت الإمارات خبرةً عمليةً في إدارة لقاءات صعبة تجمع ممثلي الدول الثلاث، بحيث تمكن العودة إليها مع بقاء قنوات الاتصال قائمة. وساعد على ذلك نهجٌ استند منذ اندلاع الحرب إلى القانون الدولي وسيادة الدول، مع استمرار العلاقات مع العواصم المعنية، ما منح الإمارات هامشاً مستقلاً للتعامل مع الجميع دون الاصطفاف مع طرف على حساب آخر.

وتملك الإماراتُ سجلاً موثّقاً في الوساطة، تمثل في 26 وساطة لتبادل الأسرى بين روسيا وأوكرانيا شملت 7997 أسيراً. وتمنح الأرقامُ الدورَ الإماراتي مصداقيةً وموثوقيةً تستندان إلى نتائج فعلية في ملفات حساسة بين دولتين تخوضان حرباً مفتوحة. ومع قيام أبوظبي بدور منصة للحوار بين طرفي الصراع بمشاركة أميركية، أصبح لديها رصيدٌ يجمع الخبرةَ الإنسانية بالتجربة التفاوضية.

الابتعاد عن الضغط الإعلامي والترميز السياسي يمنح الوفودَ مساحةً أكبر للعمل، خصوصاً في عاصمة لا تُحسب على أحد المعسكرين. ويدعم ذلك نهجُ الدبلوماسية الإماراتية الهادئة التي تركّز على النتائج، إلى جانب رصيد بنته لدى موسكو وكييف وواشنطن. ويستطيع الروسُ والأوكرانيون والأميركيون الاجتماعَ في أبوظبي دون شعور بأن أحدهم يدخل ساحةَ خصمه، وهو عامل مهم حين يدخل مكان اللقاء نفسه في حسابات الدول الثلاث. حزمة التسوية ما زالت غير مكتملة، لكن موسكو وكييف تبديان استعداداً سياسياً لاستئناف المحادثات في أكتوبر.

وأبوظبي أصبحت الخيار المفضل لموسكو، والمطروح لدى كييف، والمجرب لدى واشنطن، نتيجة سياسة إماراتية حافظت على العلاقات مع القوى المختلفة، وحولت التوازن إلى نتائج إنسانية، ووفرت بيئة تفاوض مستقرة. السلام تحدده تنازلاتُ المتحاربين وقدرتُهم على الاتفاق، والإماراتُ نجحت في توفير ما تحتاج إليه بدايته الجدية، وهو أرضية يمكن للخصوم العودة إليها عندما تتوافر فرصةٌ للتقدم.

*كاتب إماراتي