وصل إلى موسكو، السبت الماضي، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر مبعوثا الرئيس الأميركي دونالد ترامب حيث التقيا الرئيسَ الروسي فلاديمير بوتين ومبعوثَه الرئاسي كيريل ديمترييف، وذلك بهدف استئناف المساعي الأميركية لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية، التي اكتسبت أبعاداً دولية تجاوزت بكثير البعد الثنائي للحرب.
 ومعلوم أن الرئيس الأميركي كان قد أبدى منذ حملته الانتخابية الرئاسية لعام 2024 اهتماماً بتسوية الحرب، وكان يؤكد أنها ما كانت لتنشب لو كان قد فاز بولاية ثانية في انتخابات 2020. وبعد عودته للرئاسة قام بالفعل بمحاولات غير تقليدية للتسوية، بمعنى أنه لم يمانع في تقديم أوكرانيا تنازلات إقليمية لروسيا. غير أن محاولاته لم تنجح بسبب اعتراضات من الجانبين.
 وقد ذكرت التقارير أن ويتكوف وكوشنر يحملان في جعبتهما مقترح سلام جديد ومحدد أعدته إدارة ترامب بهدف كسر الجمود القائم ودفع جهود التسوية. وارتبط توقيت الزيارة بالتطورات الأخيرة في الحرب التي شهدت تصعيداً غير مسبوق تمثل أبرز مظاهره في استهداف المقار السيادية في قلب كييف، كالمقر الرئيسي لجهاز الأمن الداخلي، وهو ما اعتبرته الخارجية الأوكرانية تصعيداً كبيراً يوضح رغبةَ موسكو في فرض شروطها. وكذلك إدخال الجيل الجديد من المسيرات ذات المحركات النفاثة فائقة السرعة، والتي تذكر التقارير العسكرية أنها تخفض معدلات اعتراض هذه المسيرات إلى نحو 60٪؜. كما كثفت روسيا استهدافَها البنيةَ التحتيةَ الأوكرانية بضرب منشآت الطاقة والسكك الحديدية الرئيسية لقطع إمدادات الأسلحة. وبالمقابل، وسّعت أوكرانيا نطاقَ ضرباتها بعيدة المدى داخل العمق الروسي باستهداف مصافي النفط وغيرها من الأهداف الاقتصادية المهمة.
وقد نجح المبعوثان الأميركيان في التوصل إلى اتفاق على هدنة لمدة 72 ساعة بدأت بالفعل بعد التوصل إليها، وهي هدنة جزئية لا تشمل إلا وقف الضربات المتبادلة على العاصمتين لتأمين تحركات الوفد الدبلوماسي. ثم انتقلا بالقطار إلى أوكرانيا حيث التقيا رئيسَها، وعرضا أفكارَهما دون تحقيق اختراق أيضاً. غير أن ويتكوف أعلن أن المقترحات الأميركية الجديدة لإنهاء النزاع تمهّد لإعلان خطوات تالية ومقترحات تفصيلية خلال الأسابيع القليلة القادمة، مع إمكان تنظيم لقاءات ثلاثية مباشرة برعاية أميركية.
 والحقيقة أنه على الرغم مما يبدو من أن الوضع العسكري الحالي يمكن أن يدفع إلى تقدم على الصعيد الدبلوماسي، فإنه لا يبدو حتى الآن أن هناك تغيرات يُعْتَد بها في مواقف طرفي الحرب، فمن ناحية تجاوز عمرُ الحرب 4 سنوات دون أن تلوح في الأفق أيُّ إمكانية لحسمها عسكرياً، وهو ما يُعْرف بوصول الصراع لحالة الانسداد، ومن ناحية ثانية لا يبدو حتى الآن أن هناك تغيراً في أيٍ من الموقفين الروسي والأوكراني تجاه التسوية. فروسيا متمسكة بالسيطرة الكاملة على إقليم دونباس، باعتبار أن سكانه من الروس، ويتحدثون اللغة الروسية، وهو ما ترفضه أوكرانيا بالطبع لأنه يمثل تفريطاً في سيادتها الإقليمية. والواقع أن حدوث هذا التغيير صعب، فعدم تحقيق روسيا أهدافها في الحرب، وبالذات السيطرة الكاملة على دونباس، يعني انتكاسة في طموح العودة لمصاف القوى العظمى، وتحقيق هذه الأهداف يعني لأوكرانيا فقدان سيادتها على جزء من إقليمها، وهو تناقض لم تحسمه الحرب، ويبدو صعباً حتى الآن أن تحله الدبلوماسية، فهل يكمن الحل في تحولات داخل أحد طرفي الصراع أو كليهما؟