في كل مرة يحل فيها يوم المرأة الإماراتية، تعود إلى الواجهة قصة بدأت قبل أكثر من خمسة عقود، يوم كانت دولة الإمارات نفسها في سنوات التأسيس، وكانت الحاجة إلى بناء الإنسان لا تقل أهميةً عن بناء المؤسسات. وفي 28 أغسطس 1975 تأسس الاتحاد النسائي العام، لتبدأ مع هذه الخطوة واحدةٌ من أكثر التجارب هدوءاً وعمقاً في المنطقة، تجربة لم تتعامل مع المرأة باعتبارها ملفاً اجتماعياً منفصلاً، وإنما باعتبارها جزءاً أصيلاً من مشروع الدولة.

ومنذ ذلك الوقت، تغيرت حياةُ المرأة الإماراتية تماماً، لكن التغييرَ الأهم لم يكن في عدد المناصب التي وصلت إليها، ولا في اتساع المجالات التي دخلتها، وإنما في شيء أكثر عمقاً، فقد تغيرت صورة المرأة في المجتمع، وتغيرت معها صورة الممكن أمام المرأة.
كانت المدرسة بداية الطريق، ثم الجامعة، ثم العمل، ثم مواقع المسؤولية، ثم القيادة. ومع كل مرحلة كانت المرأة الإماراتية تفتح باباً جديداً، إلى أن أصبح حضورها في المجالات التي تصنع مستقبل الدولة أمراً طبيعياً. أصبحت في ممثلة في الحكومة والقضاء والسلطة التشريعية، وتحمل شرف الانتماء للقوات المسلحة، كما باتت جزءاً مهماً من منظومة الاقتصاد والعلوم والتكنولوجيا والفضاء والصناعات المتقدمة، وأصبحت حاضرة في العمل الإنساني وقضايا المناخ والاستدامة، وفي قطاعات لم تكن موجودة أصلاً عندما بدأت المرأة الإماراتية رحلتَها قبل عقود.
وهنا تكمن خصوصية التجربة الإماراتية. فالنجاح الحقيقي لم يكن أن تصل المرأة إلى مكان كان يُنظر إليه باعتباره بعيداً عنها، وإنما أن يصبح وجودها فيه بعد سنوات أمراً طبيعياً لا يحتاج إلى تفسير. ولهذا تبدو مسيرة المرأة الإماراتية اليوم أكبر من مفهوم التمكين نفسه. فالتمكين كان مرحلة أساسية، لكنه لم يكن نهاية الطريق. فما يحدث الآن هو انتقال من مرحلة المشاركة إلى التأثير، ومن المشاركة في صناعة المستقبل إلى تشكيله.
وجاء يوم المرأة الإماراتية هذا العام بشعار «بنظهر الأقوى والأفضل»، في توقيت يحمل دلالة واضحة على هذه النقلة. فالقوة التي يعبر عنها الشعار ليست قوة الوصول، وإنما قوة الاستمرار والتطور والقدرة على تحويل ما تحقق إلى قاعدة جديدة للأجيال المقبلة. ولهذا تتسع الرؤية لتشمل المرونة المؤسسية، والفرص الاقتصادية، والشراكات العابرة للحدود، والنماذج الملهمة، وتمتد بالنظر إلى مستقبل بعيد يصل إلى عام 2075.
وفي هذه الرحلة لم تكن المرأة وحدها. كانت الأسرة شريكاً، وكان الرجل شريكاً، وكانت المؤسسات شريكاً، وكانت القيادة التي آمنت مبكراً بأن بناء المجتمع لا يمكن أن يكتمل بنصف طاقته. ولذا لم يكن صعود المرأة الإماراتية خروجاً على بنية المجتمع، بل كان جزءاً من تطوره الطبيعي. ولعل أجمل ما حققته هذه المسيرة أن الفتاة الإماراتية اليوم لا تحتاج إلى أن تتخيل إمكانية الوصول إلى القمة. هي تراها أمامها. تراها في الوزيرة والعالمة والقاضية والسفيرة ورائدة الفضاء ورائدة الأعمال والباحثة وقائدة المشاريع والمبادرات الإنسانية. إن الإنجاز الذي يستحق أن يحتفى به في يوم المرأة الإماراتية ليس فقط أن المرأة وصلت، وإنما كون الطريق الذي كان يوماً ما طريقاً صعباً واستثنائياً، أصبح اليوم طريقاً مفتوحاً وطبيعياً أمام جيل كامل تسلح بالعلم والمعرفة.
لقد بدأت الحكاية بتمكين المرأة، لكنها لم تنته عنده. انتهت إلى ما هو أكبر، أن تصبح المرأة الإماراتية جزءاً من تعريف الإمارات نفسها، ومن صورتها عن حاضرها، ومن رؤيتها لمستقبلها. وحين تصل تجربة الوطن إلى هذه المرحلة، يصبح الاحتفال بالمرأة احتفالاً بمستقبل الوطن ذاته.


*كاتبة إماراتية