يتوجه الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى البيت الأبيض سبتمبر الجاري، لكن زيارته الرسمية ليست سوى المحطة الأخيرة في برنامج حافل بالتحركات الدولية. وبعد استضافة عدد من القادة الأجانب في العاصمة الصينية بكين في وقت سابق من العام، من بينهم قادة دول متحالفة مع الولايات المتحدة، يتوجه شي الآن إلى قمم رفيعة المستوى في الدول النامية ومتوسطة الدخل، والمعروفة مجتمعةً باسم دول الجنوب العالمي، من آسيا الوسطى إلى الشرق الأوسط وصولاً إلى الهند.
ويرى خبراء الشأن الصيني أن شي يستهدف من تحركاته الخارجية المكثفة إبرازَ نفوذ بلاده، خاصةً عندما يلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترامب. ويقول ستيف تسانغ، مدير معهد الصين في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن، إن رسالة شي الأساسية هي: «لدينا الكثير من الأصدقاء».
وعلى مستوى أعمق، تعكس تحركات شي استراتيجيةً ترمي إلى أن تحل الصين محل الولايات المتحدة باعتبارها القوة العظمى الأولى في العالم، وإقامة نظام عالمي يتمحور بصورة أكبر حول الصين.
ويقول تسانغ، الذي شارك في تأليف كتاب «الاستراتيجية العالمية للصين في عهد شي جين بينغ»، إن جوهر هذه الاستراتيجية هو «الانخراط مع الجنوب العالمي لكسب الدعم لأجندة الصين.. لتغيير النظام الدولي»، مشيراً إلى أن شي ذهب إلى عاصمة قرغيزستان بيشكيك منذ أيام لهذا السبب. وهناك، أطلق دعوةً أمام قادة نحو 20 دولة نامية، يزيد إجمالي عدد سكانها على 3 مليارات نسمة، مجتمعين للمشاركة في قمة منظمة شنغهاي للتعاون، وحثهم على المطالبة بدور أكبر في الشؤون العالمية.
وتأسست المنظمة عام 2001 على يد الصين وروسيا ودول آسيا الوسطى، باعتبارها منظمة أمنية إقليمية، لكنها وسعت عضويتها ونطاق عملها لتشمل أهدافاً تنموية طموحة.
وقال الزعيم الصيني، في إشارة مبطنة إلى الولايات المتحدة، إن على دول الجنوب العالمي أن تنتفض ضد «الظلم التاريخي» الذي شهد هيمنةَ عدد قليل من الدول على غيرها وفرض سيطرتها عليها. وأضاف، مخاطباً قادة الدول المجتمعين، أن الصين، كـ«دولة كبرى مسؤولة»، تنضم إلى العالم النامي للمطالبة بعلاقات دولية «ديمقراطية» تقوم على المساواة في الحقوق، بغض النظر عن حجم أي دولة أو ثروتها.
ومن قمة منظمة شنغهاي للتعاون، توجه شي جواً إلى الشرق الأوسط، الأربعاء، حيث حمل رسالة مماثلة خلال زيارة نادرة إلى مصر، هي الأولى له منذ عقد. وفي القاهرة، التقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ووصف البلدين بأنهما «شقيقان مقربان». وقال إن الصين ومصر، باعتبارهما من دول الجنوب العالمي، ينبغي أن تتعاونا معاً لإيجاد مزيد من العدالة في العلاقات الدولية.
ويرى خبراء أن تقارب الصين مع مصر يأتي في وقت تستمر فيه الحرب الأميركية مع إيران، وهي الحرب التي يقول وانغ شيانغ وي، الزميل المتخصص في آسيا بمركز آش للحكم الديمقراطي والابتكار في كلية كينيدي بجامعة هارفارد، إنها تضيف انشغالا جديداً إلى أجندة الولايات المتحدة، وهو «ما يتيح مساحة كبيرة لشي جين بينغ لإظهار نفوذ الصين».
ومن المتوقع أن يتوجه شي في منتصف سبتمبر إلى الهند للمشاركة في قمة مجموعة بريكس، وهي منظمة أخرى متنامية لدول الجنوب العالمي، يُنظر إليها باعتبارها تسعى إلى الضغط من أجل إدخال تغييرات على النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة.
وتأسست بريكس عام 2006، وهي تجمعٌ لاقتصادات الأسواق الناشئة يضم البرازيل والصين والهند وإندونيسيا وروسيا وجنوب أفريقيا والسعودية والإمارات ومصر وإثيوبيا وإيران. وتصف المجموعةُ نفسَها بأنها «منصة لتضامن الجنوب العالمي».
وفي السابق، أعطى شي أولوية لحضور اجتماعات «بريكس» على تجمعات أكثر رسوخاً، مثل مجموعة العشرين التي تضم الولايات المتحدة واقتصادات متقدمة أخرى.
وتشير استطلاعات الرأي العالمية إلى أن انسحاب إدارة ترامب من المنظمات والاتفاقات الدولية، وتقليصها الحاد لبرنامج المساعدات الخارجية الأميركي، أديا، بحكم الأمر الواقع، إلى زيادة الانطباعات الإيجابية عن الصين وشي.
وتقول يون سون، مديرة برنامج الصين في مركز ستيمسون بواشنطن: «إن التفكيك المتصور من جانب الولايات المتحدة للنظام الدولي.. يتماشى مع دعوة بكين إلى إصلاح الحوكمة العالمية». وتضيف أن الرواية التي تطرحها الصين تقول: «الأمر لا يقتصر على أن الغرب هو من يحدد الاتجاهات، فالجنوب العالمي يستحق صوتاً أكبر وسلطة أكبر».
*رئيسة مكتب صحيفة «كريستيان ساينس مونيتور» في بكين
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»


