ليست كل حركة أو تنظيم يرفع راية قضية قوةً لها. فقد تكبر التنظيمات، وتتسع ترساناتها وتحالفاتها، فيما تضعف القضية التي نشأت من أجلها، ويصبح الشعب الذي تتحدث باسمه أكثر انقساماً وأقل أمناً وأبعد عن حقوقه.
ومن هذا المعيار ينبغي تحليل مكانة «حماس». فالقضية الفلسطينية أقدم من «حماس» التي تأسّست عام 1987، وأكبر منها. وما يستحق الحساب بعد قرابة أربعة عقود من ظهور الحركة ليس ما راكمته من أموال وسلاح ونفوذ، بل ما أضافته إلى قدرة الفلسطينيين على استعادة حقوقهم وأرضهم، وبناء دولتهم، وتقرير مصيرهم.
بدأت علاقة «حماس» بإيران تتوطد منذ التسعينيات، وتعاظمت بعد سيطرة الحركة على غزة عام 2007. ومع تعمقها، لم تعد طهران مصدراً للتمويل والسلاح والتدريب فحسب، بل أصبحت ركناً في حسابات الحركة السياسية والعسكرية ضمن «محور المقاومة». وفي المقابل، منحت «حماس» إيران حضوراً داخل القضية الفلسطينية وورقة مؤثرة في مشروعها الإقليمي. تعاظمت قوة التنظيم بدعم إيراني، واتسعت المسافة بين خياراته وموقع فلسطين الطبيعي في محيطها العربي.
و«حماس»، في سعيها إلى بناء قوتها، دخلت في خصومات مع دول عربية كان يفترض أن تبقى فلسطين فوق خلافاتها، واستظلت بالعباءة الفارسية على حساب عمقها العربي.
ومع تعاظم قدرات «حماس» العسكرية، اتسعت الفجوة بين قوة التنظيم وحصيلة القضية. تراكم السلاح والصواريخ، بينما بقيت الدولة الفلسطينية بعيدة، وترسخ الانقسام، وتحولت غزة إلى ساحة متكررة للحروب والحصار والدمار. وغذّى الدعم الإيراني وخطاب «محور المقاومة» لدى قيادة «حماس» تقديراً مضخماً لقوتها وللعمق الاستراتيجي الذي تستند إليه، حتى اختلطت القدرة على خوض المواجهة بالقدرة على إدارتها وتحويلها إلى مكسب سياسي. وكان السابع من أكتوبر 2023 ذروة هذا الخلل، إذ حققت الحركة مفاجأة عسكرية كبيرة، لكنها فتحت حرباً تجاوزت قدرتها على إدارتها، وراهنت على امتداد إقليمي إيراني لم يدخل المعركة بالحجم الذي بنت عليه حساباتها. وهكذا تحول وهم القوة إلى قرار تجاوز قدرة حماس على ضبط نتائجه، ودفعت فلسطين الثمن.
وقد كشف السابع من أكتوبر حدود الرهان على إيران، فعندما بلغت الكلفة ذروتها، أدارت طهران انخراطها وفق مصالحها وحسابات أمنها. فالدول تحمي مصالحها أولاً، لكن «حماس» بنت جانباً من استراتيجيتها على حليف لم تكن فلسطين مرجعه الأول.
وربطت «حماس» جانباً أساسياً من قوتها وتمويلها وتسليحها بإيران، ومنحتها في المقابل نفوذاً داخل القضية الفلسطينية، حتى أصبحت قدرات الحركة تخدم المشروع الإيراني بقدر ما كان يفترض أن تخدم المشروع الوطني الفلسطيني. وهنا لم يعد الخلل في اختيار الحليف وحده، بل في استقلال القرار نفسه، فالفارق كبير بين أن تستخدم حركة تحرر دعم الخارج لخدمة قضيتها، وأن يستخدم الخارج الحركة لخدمة مشروعه.
وبعد قرابة أربعة عقود من صعود «حماس»، تكفي النتائج للحكم على التجربة. وجدت إيران في الحركة مدخلاً إلى قلب القضية الفلسطينية، ووجدت «حماس» في طهران سنداً لدعمها وتعويمها في مواجهة خصومها، فيما تحمل الفلسطينيون الكلفة الأثقل. ولا تعفي هذه الحصيلة إسرائيل من مسؤوليتها عما فعلته في غزة، لكنها لا تمنح قيادة «حماس» حصانة من المحاسبة باسم المقاومة، فعدالة القضية لا تعني صواب كل من يتصدرها.
ولم يكن المطلوب من «حماس» أن تنتصر عسكرياً على إسرائيل، بل إن تعرف حدود قوتها وألا تجعل شعبها وقوداً لاستراتيجية لا تملك أدوات حسمها. فالحصيلة بعد قرابة أربعة عقود: غزة أنقاض، والضفة أشد حصاراً، والقضية أبعد عن أفق سياسي حقيقي.
وهنا يصبح جواب السؤال حاسماً: أعطت إيران «حماس» السلاح والمال ووهم القوة، أما «حماس» فلم تمنح فلسطين دولة ولا أرضاً محررة ولا سيادة، وتركت شعبها أمام القتل والدمار والجوع والتشرد. ومن يقود شعبه إلى الكارثة من دون مراجعة لا يحمي قضيته، بل يستنزفها. وسيسجل التاريخ على «حماس» وقادتها أنهم جعلوا قضية شعبهم ورقة في المشروع الإيراني، وأن حصيلة خياراتهم كانت مآسي تحملها الفلسطينيون.
*كاتب وباحث إماراتي


