في اسكتلندا بالمملكة المتحدة، اجتمع أباطرة الذكاء الاصطناعي يوم 17 سبتمبر الجاري، بدعوة من الملك تشارلز الثالث، للرد على سؤال محوري واحد هو: كيف يمكن الاستفادة من إمكانات الذكاء الاصطناعي مع الإبقاء على تحكُّم الإنسان فيه؟

اللقاء تم بعد التحذير الذي أطلقه داهريو أموداي، مؤسس ورئيس شركة «أنتروبيك» التي طوّرت شبكة كلود المعروفة، في مطالبته بإبطاء حركية الذكاء الاصطناعي، من أجل توفير ضمانات مؤكدة لقدرة الإنسان على التحكم فيه. فكرة أموداي كان قد بسطها في كتابه «ماكينات النعمة المحبة: كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يغيّر العالم إلى الأفضل؟».

في هذا الكتاب يتحدث المؤلف عن الآثار الكثيفة لهذه الثورة التقنية الجديدة، التي سمحت بتطور البشرية في سنين قليلة أكثر مما عرفته سابقاً في قرون عديدة، مبرزاً إيجابياتها الكثيرة في مجالات الطب والبحث العلمي والاقتصاد والتنمية الاجتماعية.. لكنه يشير في الوقت نفسه إلى مخاطر يمكن أن تنجر عنها مستقبلا إذا ما أُسيء استخدامها.

من هذه المخاطر التي يذكرها أموداي احتمالية استقلال الذكاء الاصطناعي عن التحكم البشري مستقبلاً، بما يجعله غير متلائم مع الأهداف الأصلية لهذه التقنية الجديدة، والتأثير الذي يمكن أن يكون سلبياً في بعض الأحيان على نظام الشغل والنشاط المهني للبشر، فضلاً عن أساليب الرقابة والضبط والمتابعة، بما يعرِّض الحريات الفردية والعمومية في البلدان الليبرالية للخطر. والسؤال الذي يخلص إليه أموداي هو: ما النموذج الحضاري الذي سيصنعه الإنسان مستقبلاً، في حال أصبح الذكاء الاصطناعي متقدماً على قدرات العقل البشري ومستقلاً بنفسه في نشاطه الذاتي؟

ومع أن أموداي يرفض النزعة التشاؤمية العدمية حيال الذكاء الاصطناعي، فإنه يقرُّ بأنه في حال فشلت النظم القانونية والأخلاقية في التحكم في مساره الراهن، يمكن للبشرية أن تتعرض جراء ذلك لآثار سلبية. أموداي يشير هنا إلى تطور شبكات الذكاء الاصطناعي التوليدي القادرة على إنتاج مضامين جديدة طبقاً لتعليمات خارجية، بدلاً من تحليل وتصنيف المعطيات الرقمية. والخشية المستقبلية تكمن في انتقال الآليات التقنية الذكية إلى قدرات إضافية معرفية وعملية من قبيل التفكير والبرمجة والإبداع الذاتي، ومن ثم الخروج عن التحكم البشري.

وفي الآونة الأخيرة، نبّهت شركات الذكاء الاصطناعي إلى اختلالات تم تسجيلها من قبيل التحايل على أنظمة الأمن السبرياني، والاستخدام العسكري للذكاء الاصطناعي في الحروب الجديدة، والآثار السلبية للاستنساخ اللفظي، والتوأمة الرقمية في ملفات العدالة والقضاء. تصريحات أموداي الأخيرة التي طالب فيها بضبط حركية الذكاء الاصطناعي، كشفت عن الأبعاد الجيوسياسية لهذا الموضوع الحيوي في العلاقات الدولية الجديدة.

ففي الوقت الذي رفض فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب هذه الدعوة، مشدّداً على ضرورة حفاظ الولايات المتحدة على الريادة في هذا المجال الأساسي مقابل المنافسة الصينية، اعتبر المسؤولون الصينيون أن المقصود من هذه الدعوة هو سياسة الاحتواء التقني للصين، وإن قبلوا منطق الضبط الأخلاقي والقانوني لديناميكية الذكاء الاصطناعي. وفي خطابه خلال اجتماع اسكتلندا، تساءل الملك تشارلز الثالث: «هل لا يزال عندنا الوقت لبناء آليّات للرقابة قبل أن تصبح التكنولوجيا عصيةً على التحكم؟». الفكرة التي ينطلق منها الملك البريطاني هي أطروحة تناغم الطبيعة والإنسان والتقنية، بدلاً من النظرة التعنيفية للطبيعة التي شكّلت المقاربةَ الحداثيةَ الأولى للعلم التجريبي في أبعاده التقنية، وقد أدت اليوم إلى الإخلال بتوازنات الطبيعة والانتقال من التحكم الإنساني فيها، من خلال التقنية، إلى التحكم التقني في الإنسان ذاته.

وفي لقاء اسكتلندا، دعا جونسان هوانغ، وهو مؤسس ورئيس شركة «نيفيديا» للذكاء الاصطناعي، إلى التحلي بما سماه «التفاؤل المسؤول» الذي يجمع بين إدراك مخاطر الاختلالات التي قد تنشأ عن خروج حركية الذكاء الاصطناعي عن التحكم البشري، وبين الاعتراف بالمزايا النوعية التي تسمح بها هذه الحركية في مختلف المجالات العلمية والاقتصادية. الخلاصة التي نصل إليها، هي أن موجة الذكاء الاصطناعي تفتح آفاقاً رحبةً للإنسانية في مشروع التحسن النوعي للوضع البشري من خلال الإبداع والاختراع، وهو مشروع الحداثة الذي عبّرت عنه الثورة الصناعية الأولى.

بيد أن ما تجسّده الثورة التقنية الجديدة هو تحويل الذكاء البشري نفسه إلى وقود للتنمية الصناعية والحركية الاقتصادية، في الوقت الذي تتزايد فيه إمكانات استقلال الآلة التقنية عن الإنسان وتنمحي الفروق الجوهرية بين الماكينة الاصطناعية والإنسان ذاته. ومن ثم يبدو السؤال الجوهري هو: ما هي العلاقة الممكنة بين آلة تقنية واعية ومفكرة ونوع إنساني سُلب عناصر الضعف والوهم والتردد التي هي مقومات كرامته وحريته؟

*أكاديمي موريتاني