في مقال مهم بصحيفة «الاتحاد»، يقدم المفكر الإماراتي البارز الدكتور خليفة الظاهري ملاحظاتٍ عميقةً حول «جدل العلوم الإنسانية» في علاقة هذه العلوم بالنماذج الطبيعية والتقنية، بما ينعكس اليوم في تأثيرات ثورة الذكاء الاصطناعي على طبيعة المعرفة وإنتاج المعنى وتوليد الدلالة.
ولقد تعرض الدكتور الظاهري لعمق الإشكال الابستمولوجي المتعلق بثنائية الفهم والتفسير التي بلورها دلتاي في تمييزه المعروف بين منطق الوصف الموضوعي والملاحظة التجريبية (العلوم التجريبية) ومسلك التأويل والاندماج في الظاهرة الاجتماعية (العلوم الإنسانية).
وكان بول ريكور قد دعا إلى تجاوز هذه الثنائية طارحاً شعارَه المنهجي «مزيد من التفسير لفهم أفضل»، بمعنى الجمع بين أدوات التحليل البنيوي والنفسي في ضبط الظواهر الإنسانية في تركيبتها النسقية ونظامها الداخلي والنظر إلى النص من حيث هو أفقٌ للعيش والسكن وإعادة إنتاج الهوية والوعي.
 في هذه الجدلية التوفيقية، يتم الجمع بين تأويلية الفصل التي تقتضيها المقوماتُ الموضوعيةُ للفكر العلمي وتأويلية الوصل التي تفتح النص على أفق الوجود والقيمة والمثال، وبالتالي على الفعل والممارسة والتاريخ.
هل تغيرت هذه المعادلة مع انبثاق عصر الذكاء الاصطناعي الذي غيّر جوهرياً شروطَ تشكّل المعرفة وانبناء الواقع وانبثاق المعنى والدلالة؟
سؤالٌ أصبح يشغل الفلاسفةَ في الوقت الحاضر، ومِن أبرزهم «يوك هوي» الذي نشر مؤخراً كتاباً هاماً بعنوان «كانط الماكينة: الفلسفة النقدية بعد الذكاء الاصطناعي»، ذهب فيه إلى أن الثورة التقنية الرقمية قد فرضت عملياً مراجعةَ الإشكاليات الفلسفية الكبرى التي شغلت كانط من قبيل: ما هي شروط المعرفة الممكنة؟ وما هي محددات التعقل في حدود التجربة؟
والسؤالُ المطروحُ هنا يتعلق بقيام مفهوم جديد للمعرفة يقوم على التصور الحسابي الكمي والتراكمي بدلاً من إرادة التفكير الواعي، ومن ثَم يتعين السؤالُ حول ما إذا كانت تقنيات الذكاء الاصطناعي تقوم على مجرد معطيات إحصائية كمية أو تحتوي على موجّهات عقلية على طريقة المقولات المنطقية التي رأى كانط أنها ضرورية لتنظيم حدوس التجربة وصياغتها لبلوغ المعرفة الصحيحة؟
 ما يذهب إليه هوي هو أن تقنيات الذكاء الاصطناعي تبلور نمطاً جديداً من العقلانية يتسم بالاحتمالية والتوزيعية التشاركية والكثافة الكمية بدلاً من التجربة الحية المعيشة. إلا أن الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يعوّض ملكات الثقافة البشرية التي لا تنحصر في الفاعلية الإحصائية الحسابية، بل تشمل أيضاً الخيالَ والحكمَ والإبداعَ والتأويلَ، وهي مستوياتٌ حاضرةٌ في صلب المعرفة ونظام الحقيقة.
صحيح أن تقنيات الذكاء الاصطناعي قد غيرت نوعيا الصناعات الثقافية والمؤسسات العلمية والممارسة التقنية وأثَّرت بقوة في الاقتصاد والممارسات الاجتماعية، لكن من الوهم الرهان عليها بديلاً عن النشاط العقلي البشري.
لا يمكن إنكار التحول الكبير الذي أحدثته ثورةُ الذكاء الاصطناعي في الحضارة الإنسانية، بما يوازي الثورات الكبرى الأخرى التي عرفتها البشريةُ سابقاً مثل اكتشاف الكتابة، والمطبعة والثورة الصناعية الأولى والثورة الرقمية الاتصالية الحالية التي نتجت عنها طفرة الذكاء الاصطناعي.
لقد فرضت هذه الثورات تحولات كبرى في مختلف مناحي الممارسة الإنسانية، لكن الخصوصية البشرية الكبرى ظلت قائمة، وهي الطابع الأخلاقي القيمي للكائن الإنساني الذي يُخرجه من التحديدات الطبيعية والوضعية، بما هو الموجود الأوحد الذي يحمل هم القلق والسؤال والتجاوز (وفق المقولات الهايدغرية الشهيرة).
والخلاصة التي نخرج بها هي النتيجة نفسها التي توصل إليها الظاهري، أي الشراكة التكاملية بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، بين العقلانية الحسابية الموضوعية والتأويل القيمي الذي هو أفق الحرية والنقد والمسؤولية الأتيقية.
منذ أرسطو حاولت العلوم صياغة أدوات صورية موضوعية تجنِّب الإنسانَ الخطأَ وتبلغه الحقيقة المطلقة، بما ظهر في البداية عبر منطق القضايا والبرهان، ثم صاغ ديكارت في القرن السابع عشر منهجه الرياضي الذي اعتبر أنه يتناسب مع نظام أفكار الذات، وفي العصور الأخيرة راهنت العلوم الإنسانية على النجاح في الوصول إلي قوانين الظاهرة الاجتماعية والنفسية والتاريخية بنفس دقة وصحة القوانين الطبيعية.
ليست خوارزميات الذكاء الاصطناعي سوى المرحلة الأحدث من هذا الحلم القديم الرامي إلى تعويض اللغة الطبيعية الحوارية والتخيلية والمعيشة بلغة اصطناعية يقينية، بل تحويل المعرفة نفسها إلى معطيات كمية حسابية متاحة للجميع.
لا سبيل للتهوين من حجم وتأثير ثورة الذكاء الاصطناعي الراهنة، لكن من المؤكد أنها لن تفضي إلى حل معضلة الاستكناه التساؤلي الذي هو الميزة الكبرى للإنسان، وقديماً قال أبو حيان التوحيدي: «لقد أشكل الإنسان على الإنسان». 


*أكاديمي موريتاني