حين نتحدث عن المشروع الإيراني، ننشغل غالباً بما تملكه طهران من سلاح ومال وتنظيمات، ونتوقف أقل عند حقيقة مفادها أن القوة الخارجية تحتاج، إلى جانب قدراتها، بيئة تمنحها موطئ قدم، وحاجة تستطيع تلبيتها أو الادعاء بتبنيها. وقد وجدت إيران في بعض أزماتنا فرصاً لم تصنعها كلها، لكنها سعت لاستثمارها، ثم أصبح لها ولحلفائها مصلحة باستمرارها.
لا يعفي هذا إيران من مسؤولية تدخلاتها، بل يعيد إلينا مسؤولية مواجهتها. وحين يحتاج العربي في بعض بلدان المنطقة العربية إلى حزب ليحصل على وظيفة، أو إلى جماعة مسلحة ليطمئن على أسرته، يصبح ولاؤه معرضاً للمساومة. يدخل الخارج من هذه الحاجة، فيقدم المال أو السلاح أو الخدمة، ويكتسب حقاً غير معلن في تحديد الخيارات، وقد يكتشف المجتمع أن ما قُدِّم لحمايته أصبح قيداً على قراره.
راكمت إيران نفوذها عبر هذا التشابك بين المصالح المحلية والدعم الخارجي. ولحلفائها حسابات وقدرات متفاوتة على مخالفتها، لكن ذلك لا يغير جوهر المشكلة، فحين يحتفظ طرف داخلي بقوة تتجاوز مؤسسات الدولة اعتماداً على جهة خارجية، تصبح السيادة موزعة بين من يملك الشرعية ومن يستطيع تعطيلها. وتزداد الخطورة عندما يتخذ قرار المواجهة من لا يتحمل وحده نتائجها، بينما يدفع المجتمع الثمن من أمنه واقتصاده ومستقبل أبنائه.
 المشروع الإيراني استغل القضية الفلسطينية من أجل تعزيز قدرته على الوصول إلى جمهور أوسع، فالقضية تمس شعور العربي بالعدالة والكرامة، وكل من يتحدث باسمها يجد من يصغي إليه. لكن الإصغاء لا يعني التسليم بالمشروع كله، فقد أظهرت بيانات الباروميتر العربي في يوليو 2024 أن رفض الحرب الإسرائيلية على غزة يمكن أن يجتمع مع الإقرار بأن النفوذ الإيراني تهديد، كما عبّر أكثر من نصف المستطلعين في الأردن ولبنان والكويت.
وهذه المساحة نقطة البداية، فمن حق العربي أن يدافع عن فلسطين ويرفض ارتهان بلاده لطهران، وينتقد السياسة الأميركية من دون أن يمنح إيران وكالة عنه. وكل خطاب يحشره بين هذه الخيارات يصادر استقلاله ويخدم القوى التي تريد اقتسام ولائه. 
وهذا يفرض التذكير دوماً بالسياسة العربية تجاه فلسطين التي يراها الناس في الفعل: دعماً لصمود الفلسطينيين، ومقاومة للتهجير، ومساندة لمؤسساتهم، واستخداماً مدروساً للعلاقات والمصالح في الضغط، وتنبع ضرورتها من الحق الفلسطيني والمصلحة العربية، لتضييق مساحة الاستغلال الإيراني للقضية.

وفي المقابل، ينبغي الحفاظ على قيمة التنمية والاستقرار. فما بنته دول عربية من اقتصاد ومؤسسات وبنية أساسية رصيد لا يجوز التقليل منه، وتحتاج المنطقة إلى توسيعه. لكن حمايته تستدعي قدرة سياسية وأمنية تناسب حجمه، فالعلاقات الدولية تمنح فرصاً للتأثير بقدر ما يربطها أصحابها بمصالح واضحة.
 تبحث إيران عن مفردات وواجهات جديدة للوصول إلى من ابتعدوا عنها، وثمة عمليات تأثير موثقة ينبغي التعامل معها بدقة. فقد كشفت جوجل عن حملات مرتبطة بإيران نشرت محتوى بلغات بينها العربية خلال الربع الأخير من 2024، كما أعلنت OpenAI تعطيل عملية إيرانية استخدمت أدواتها لإنتاج محتوى سياسي، من دون دليل على تفاعل جماهيري مؤثر. تثبت هذه الوقائع وجود المحاولة، لا نجاح كل محاولة. والمواجهة تحتاج إلى معرفة التمويل والتنسيق والأثر الفعلي، حتى تتجه إلى مصدر الخطر وتحفظ صدقيتها.كذلك ينبغي فهم صعوبة المراجعة عند الجمهور. فمن اعتقد سنوات أنه يدافع عن فلسطين قد يرى في نقد ما يسمى «محور المقاومة» اتهاماً لوفائه، فيتشبث بموقفه دفاعاً عن نفسه. 
أما العمل الأهم فيبدأ بمسار واضح يؤكد حصر السلاح والقرار العسكري في السلطة الدستورية لدى الدولة الوطنية العربية، لمنع التدخلات الخارجية، كما تحمي المساواة حقوق جميع المذاهب وتجعل الارتباط بالخارج خياراً سياسياً خاضعاً للمساءلة، لا ملاذاً يفرضه الخوف.
وليست الغاية تحويل إيران إلى عدو أبدي للعرب، فهي دولة كبيرة وجارة باقية، ومن مصلحة المنطقة أن تكون العلاقة معها علاقة دولة بدولة: تعاون حين تتقاطع المصالح، وردع حين تُمس السيادة، وحوار لا يمنحها حق التحدث باسم جماعات عربية أو الاحتفاظ بأدوات عسكرية داخل دول أخرى. ونجاح السياسة العربية لا يقاس بإضعاف إيران في ذاتها، بل بمنع امتلاكها أوراق داخل مجتمعاتنا.
والمشكلة التي كشفها النفوذ الإيراني ليست أن طهران امتلكت مشروعاً فحسب، بل إنها تستغل القضايا العربية وتحاول توظيف أية ثغرات في الداخل العربي، ما يستوجب تعزيز الدولة الوطنية في العالم العربي لتصبح أقوى في الداخل وتحفيز التكامل العربي ليصبح العرب أكثر قوة في الخارج. وعند غياب ثغرات التدخل يفقد النفوذ الخارجي أهم أسباب بقائه. وتلك مسؤوليتنا العربية التي لا يستطيع أحد أن يؤديها نيابة عنا.
إقليمياً، تستطيع الدول العربية المستعدة بناء تعاون عملي يحمي الملاحة والبنية الأساسية ويدعم المؤسسات الوطنية، مع إبقاء التفاوض مع إيران مفتوحاً على أساس احترام السيادة.
*كاتب إماراتي