منذ السنوات الأولى لقيام دولة الإمارات، كان واضحاً أن بناء المجتمع لا يمكن أن يبقى مسؤولية الحكومة وحدها، وأن قوة الدولة لا تقاس فقط بما تبنيه من مؤسسات، وإنما أيضاً بقدرة المجتمع نفسه على المشاركة في صناعة مستقبله.
ومن هنا تكتسب محطة مبكرة في تاريخنا التشريعي أهميتها ففي عام 1974 صدر القانون الاتحادي رقم (6) بشأن الجمعيات ذات النفع العام، في مرحلة كانت الدولة نفسها لا تزال في سنواتها الأولى.
كان تنظيم العمل الأهلي في ذلك التوقيت ترجمة ليقين القيادة الرشيدة لقيمة وأهمية العمل المجتمعي المتمثل في جمعيات النفع العام والعمل الأهلي، ويقينا بأن خدمة المجتمع مسؤولية يمكن أن تتسع لتشمل مؤسسات وأفراد وقطاعات مختلفة.
وقد تطورت التشريعات منذ ذلك الوقت بطبيعة الحال، وصولاً إلى الإطار الحديث المنظم لمؤسسات النفع العام، لكن الفكرة الأصلية ما زالت جديرة بالتأمل: ماذا يعني أن تكون مؤسسة ما نافعة للمجتمع؟
السؤال مهم اليوم بصورة خاصة لأن اقتصاد الإمارات نما، والشركات كبرت والقطاع الخاص أصبح شريكاً رئيسياً في التنمية، ولم تعد المسؤولية المجتمعية قادرة على البقاء في حدود تبرع موسمي، أو حملة مؤقتة، أو مجموعة صور تنتهي بانتهاء المناسبة.
العالم نفسه تغير، فقد تنفق مؤسسة مبلغاً كبيراً دون أن تترك أثراً مستداماً بينما تستطيع مؤسسة أخرى أن تقدم خبرتها أو تقنياتها أو كوادرها فتغير حياة مجموعة كاملة من الناس.
ومن هنا ربما يستحق الأمر التفكير في تخصيص يوم وطني للمسؤولية المجتمعية، يستلهم البدايات التاريخية لفكرة النفع العام في الدولة، ويصنع محطة وطنية سنوية تراجع فيها كافة المؤسسات بأطيافها المختلفة ما قدمته للمجتمع وما صنعته من أثر اجتماعي يمثل دعماً لرؤية وخطط القيادة الرشيدة في بناء مستقبل دولة الإمارات العربية المتحدة.
والعمل المجتمعي للمؤسسات والشركات يبدأ من التبرعات المالية، ويمتد إلى العمل في تنمية القطاع العاملة به فعلى سبيل المثال شركة تكنولوجيا يمكن أن تسهم في سد فجوة رقمية أو تدريب مئات الشباب على مهارات المستقبل بمعنى أن تنقل الشركات والمؤسسات خبراتها المهنية والمعرفية إلى المجتمع من خلال برامج تطوعية وغيرها. هنا تتغير فلسفة المسؤولية المجتمعية نفسها من الدعم المالي إلى الدعم المهني والمعرفي.
لذلك جاءت دعوتي إلى يوم وطني للمسؤولية المجتمعية ليكون الاحتفال به مختلفاً. فلا نكتفي بالعبارات والتغريدات والمقالات الاحتفالية لكن لنجعله يوماً لمراجعة المؤسسات والشركات في نتائج مبادراتها المجتمعية. وتعلن فيه الشركات عن دعمها لبرامج العمل المهني التطوعي عندها لن تكون المسؤولية المجتمعية نشاطاً يقع خارج العمل الحقيقي للمؤسسة، بل ستصبح امتداداً له.
لهذا أرى المسؤولية المجتمعية شكلاً من أشكال العقد الأخلاقي بين رأس المال والمجتمع الذي أتاح له أن ينمو. وربما يكون أفضل احتفاء بروح النفع العام التي بدأت مبكراً في تاريخ الإمارات هو أن نعيد طرحها بلغة عصرنا الحديث.
*باحثة إماراتية في الأمن الاجتماعي والثقافي، أستاذ زائر بكليات التقنية العليا للطالبات، أستاذ زائر بجامعة الإمارات العربية المتحدة.


