من أجمل ما يمكن أن يحمله إليك صديق، وسط زحام الأيام، ذكرى قديمة كدت أن تنساها. صورة، أو رسالة، أو صفحة كتبتها في زمن مضى، فإذا بها لا تعيد إليك الكلمات وحدها، بل تعيد معها مرحلة كاملة من العمر: الوجوه، وقاعات الدراسة، والأساتذة، والأسئلة الأولى التي كانت تتشكل في الذهن، وربما شيئاً من أحلام البدايات.
قبل أيام، أرسل إليّ أحد الأصدقاء صفحة من مقال كتبته قبل نحو ثلاثين عاماً، حين كنت طالباً في جامعة الإمارات، تحت عنوان «مشاكل طلابية». قرأته اليوم بشعور يجمع بين الحنين والدهشة، الحنين إلى سنوات الدراسة، والدهشة لأن القضية التي توقفت عندها آنذاك لا تزال، بصور مختلفة، حاضرة في بعض ما نقرأه اليوم.
 كنت أتحدث عن مشكلة في بعض الكتب الجامعية تتمثل في تداخل المعلومات وتكرارها، وغياب التسلسل المنطقي الذي يساعد الطالب على الفهم، وعن مسؤولية الكتاب العلمي في أن يقرّب المعرفة لا أن يزيدها تعقيداً. وكتبت يومها عبارة ما زلت أجد فيها شيئاً مما أؤمن به: لا بأس أن يعود الباحث إلى موضوع كُتب فيه من قبل، ولكن ليبسطه للقارئ، لا ليزيده تعقيداً.
 وبعد ثلاثة عقود، تغير عالم البحث العلمي تغيراً هائلاً. انتقلنا من زمن كان الطالب يبحث فيه طويلاً عن مرجع قد لا يجده، إلى زمن تتدفق فيه ملايين الكتب والدراسات وقواعد البيانات عبر شاشة صغيرة. وأصبحت أدوات البحث والتحليل أكثر تطوراً، واتسعت إمكانات الوصول إلى المعرفة بصورة لم نكن نتخيلها ونحن على مقاعد الجامعة. واليوم يضيف الذكاء الاصطناعي تحولاً جديداً، ليس فقط في الوصول إلى المعلومات، وإنما في تنظيمها وتحليلها ومقارنتها.
ومع ذلك، فإن وفرة المعلومات لم تُلغِ المشكلة القديمة، ولكن ربما أعادت صياغتها. كان التحدي قبل ثلاثين عاماً هو نقص المعلومة وصعوبة الوصول إليها، أما التحدي اليوم فهو في كثير من الأحيان فيض المعلومات والقدرة على تمييز الجيد منها، وتنظيمه، والتحقق منه، وتحويله إلى معرفة ذات معنى.
ولهذا، فإن التقدم الحقيقي في البحث العلمي لا يُقاس بعدد المراجع التي نستطيع الوصول إليها، ولا بحجم الكتاب أو كثرة الاقتباسات، وإنما بقدرتنا على طرح السؤال الصحيح، والتمييز بين المصادر، وبناء المعرفة في تسلسل منطقي، والكتابة بلغة واضحة ودقيقة. فالتبسيط العلمي ليس اختزالاً مخلاً، كما أن التعقيد ليس دليلاً على العمق.
أسعدتني تلك الصفحة القديمة لأنها لم تكن مجرد ذكرى شخصية فحسب، بل أتاحت لي أن أرى المسافة التي قطعتها المعرفة خلال ثلاثين عاماً، وأن أكتشف في الوقت نفسه أن بعض أسئلتنا الأولى تظل جديرة بأن نسألها من جديد.
 ولعل أجمل ما في الذكريات أنها لا تعيدنا إلى الماضي لكي نبقى فيه، وإنما تمنحنا فرصة أن ننظر من خلاله إلى الحاضر. وبين طالب كتب قبل ثلاثين عاماً عن حاجته إلى كتاب أكثر وضوحاً وتنظيماً، وباحث يعيش اليوم زمن المعرفة المفتوحة والذكاء الاصطناعي، تغيرت الأدوات كثيراً، لكن جوهر البحث العلمي بقي واحداً: أن نبحث عن المعرفة، وأن نتحقق منها، وأن ننظمها، ثم نقدمها للناس بأوضح صورة وأصدقها.
 كما أنني أدرك الآن، إزاء هذا اللقاء مع الذات، أهمية أن نكتب وأن نعبر عن أفكارنا وآرائنا، وأن نسجل ما نمر به من وقائع، وألا نستهين بها مهما بدت لنا في حينها بسيطة وعادية، لأن كل نص منشور أو غير منشور، وكل ورقة أو قصاصة قد تصبح ذات قيمة إنسانية تاريخية ومعرفية ومجتمعية ووطنية لم تخطر لنا ببال.
أخيراً، فقد أتاحت لي قراءة هذه الصفحة فرصة نادرة للوقوف أمام الشخص الذي كنته قبل ثلاثة عقود، وأن أقيم حواراً ممتعاً معه، وأدرك ما بقي ثابتاً ومستمراً وما تغير في نفسي، وأن أتأمل انشغالاتي آنذاك، وكيف رسمت لي دون أن أدري مسار المستقبل، فلقد أصبح الكتاب وقضاياه وهمومه يمثل الجزء الأهم في مسيرتي المهنية، وفي المهام والوظائف التي شرفت بتوليها منذ خمسة وعشرين عاماً، فهل كان هذا المقال المبكر إرهاصاً بما ينتظرني من مستقبل؟ وهل يُترجم ذلك ما قيل عن القوة الغامضة الكامنة في الكلمة، وقدرتها على التحول إلى واقع بأكبر مما يتخيل الإنسان؟
*كاتب إماراتي