ليس أخطر ما يواجه النظام الدولي أن تُخرق المعاهدات، فذلك حدث عرفه التاريخ مراراً. الخطر الحقيقي يبدأ عندما يصبح خرقها أقل كلفة من احترامها، وعندما يدرك من ينقض التزاماته أن أقصى ما سيواجهه هو بيانات إدانة، أو دعوات إلى ضبط النفس، أو مفاوضات جديدة تبدأ من النقطة التي انتهى إليها آخر اتفاق. عندها لا تفقد المعاهدة قيمتها وحدها، بل يفقد القانون الدولي هيبته، لأن القانون لا تُقاس قوته بما كُتب في مواده، بل بما يملكه من قدرة على حماية نفسه عندما يُختبر.
هذا ما أعادت أحداث مضيق هرمز كشفه. فبعد الحديث عن التهدئة، عادت الملاحة الدولية إلى دائرة التهديد، وتجدد التصعيد، وعادت الصواريخ التي يطلقها «الحوثيون» باتجاه المملكة العربية السعودية. لم تكن هذه أحداثاً منفصلة، بل مؤشرات على أن الردع لم يعد يؤدي وظيفته، وأن منطق القوة عاد ليتقدم على منطق الالتزام. فحين تعود الأزمات إلى نقطة البداية بعد كل جولة تفاوض، يصبح من المشروع أن نتساءل: هل المشكلة في غياب الاتفاقات، أم في غياب القدرة على حمايتها؟
وقد يقول قائل، إن تعثر الاتفاقات الدولية ليس مسؤولية طرف واحد، وإن التاريخ مليء بقرارات متبادلة أضعفت الثقة وأفقدت كثيراً من المعاهدات فاعليتها. وهذا صحيح إلى حد بعيد. لكن مسؤولية النظام الدولي لا تقف عند تحديد من أخطأ أولاً، بل تبدأ من ضمان ألا يصبح خرق الالتزامات الدولية وسيلة مقبولة لتحقيق المكاسب. فإذا غابت المحاسبة، وتراجع الردع، أصبح انهيار الاتفاق مسألة وقت، بصرف النظر عن الطرف الذي بدأ الأزمة. فالمعاهدات لا تُختبر عند توقيعها، بل عند أول أزمة تواجهها، وهناك فقط تتحدد قيمتها الحقيقية.ولعل ما يستحق التوقف عنده هو تفاوت ردود الفعل الدولية تجاه أزمات متشابهة في آثارها على الأمن العالمي. ففي أزمات دولية أخرى، تحركت قوى كبرى بسرعة، وعُقدت اجتماعات طارئة، وفُرضت عقوبات، وشُكلت تحالفات تحت عنوان حماية الأمن الدولي. أما عندما تعرض أحد أهم الممرات البحرية في العالم للتهديد، فقد غلب الحذر على الحسم، وبقيت ردود الفعل أقل من مستوى الخطر الذي يهدد الملاحة الدولية واستقرار الاقتصاد العالمي. والمشكلة هنا ليست في اختلاف المواقف السياسية، بل في الرسالة التي يبعثها هذا التفاوت، فالقانون الذي يُطبَّق بمعايير مختلفة يفقد تدريجياً قدرته على الردع، ويغري الآخرين باختبار حدوده مرة بعد أخرى.
ومن موقعنا في الخليج، لا يبدو هذا النقاش نظرياً أو أكاديمياً. فنحن نعيش في منطقة يدرك أهلها أن استهداف سفينة واحدة، أو تهديد ممر بحري، أو سقوط صاروخ، لا يبقى حدثاً محلياً، بل ينعكس على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد. ولهذا فإن مطالبتنا باحترام القانون الدولي ليست دفاعاً عن مصالحنا وحدها، بل دفاع عن استقرار يعتمد عليه العالم بأسره. فمنطقتنا ليست مجرد بقعة جغرافية، بل أحد أهم مفاصل الاقتصاد العالمي، وأي اضطراب فيها تتجاوز آثاره حدودها خلال ساعات.
لكن حماية هذا الاستقرار لا تتحقق بالشعارات، ولا تتوقف عند بيانات الإدانة. إنها تحتاج إلى منظومة ردع واضحة، تبدأ بتنسيق إقليمي يحمي الممرات البحرية، وتقوم على التزام دولي صريح بأن أي اعتداء على حرية الملاحة سيُواجَه بإجراءات جماعية سريعة، سياسية واقتصادية وأمنية، تجعل كلفة خرق القانون أعلى بكثير من أي مكسب يمكن تحقيقه بالقوة. كما تحتاج إلى إرادة دولية تُدرك أن حماية التجارة العالمية لا تنفصل عن حماية الأمن في الخليج، وأن الاستقرار لا يتجزأ بين منطقة وأخرى.
فالدول لا تفقد ثقتها بالمعاهدات لأنها خُرقت مرة، بل لأنها ترى أن من ينقضها لا يدفع ثمناً يردعه. وعندما تصبح كلفة احترام القانون أعلى من كلفة انتهاكه، فإن المشكلة لا تعود في المعاهدة، بل في النظام الذي فقد القدرة على حمايتها.
*لواء ركن طيار متقاعد.


