هناك وهمٌ يرافق الإنسان كلما تقدم به العمر.. ألا وهو أنه لم يعُد بحاجة إلى أبيه! فعندما يتخرج، يظن أنه أصبح قادراً على الاعتماد على نفسه. وعندما يتزوج، يعتقد أن حياتَه بدأت من جديد، وأن مسؤوليتَه أصبحت محصورةً في أسرته الصغيرة. وعندما يصبح أباً، يتخيل أنه وصل إلى المرحلة التي كان يقف فيها والدُه يوماً ما.
لكن الحقيقة التي لا تتغير، مهما تغيرت الظروف والأعمار، هي أن الأب لا يتقاعد يوماً مِن أبوته. قد يشيب شَعرُه، وتضعُف خطواتُه، ويترك عملَه.. لكنه لا يترك قلبَه. يَفرح لنجاح أبنائه وكأنه نجاحه، ويتألم لأوجاعهم وكأنها أوجاعه، وينتظر اتصالَهم وإنْ لم يعترف بذلك، ويختصر كلَّ هذا الحب في سؤال بسيط: «كيف حالكم؟»، بينما يحمل في قلبه ألف دعوة وألف أمنية لهم.ولا يدرك كثيرٌ من الأبناء حقيقةَ هذا الحب إلا عندما يصبحون آباءً. عندها فقط يفهمون لماذا كان الأب يسهر إذا مرض أحدُ أبنائه، ولماذا كان يقلق إذا تأخر دقائق، ولماذا كان يخفي تعبَه حتى لا يزيد همومَ أسرته.
الأبوة ليست مرحلة تنتهي، بل رسالة تستمر ما دام القلب ينبض.
وإذا كان الأب لا يتقاعد من أبوته، فإن الأبناء لا ينبغي أن يتقاعدوا من الوفاء له.
ولعل أخطر ما يواجه الأسرة اليوم ليس ضيق المعيشة، ولا ضغوط الحياة، بل تلك الأفكار التي تتسلل بهدوء لتعيدَ تعريف الأسرة، فتجعل الاستقلالَ يعني الابتعادَ، والحريةَ تعني الاستغناءَ، والانشغالَ بالحياة مبرراً لغياب السؤال والزيارة وصلة الرحم.
لم تعد الأخطارُ تَستأذن قبل دخول البيوت، بل أصبحت تدخل كل يوم من جيوبنا، وعبر شاشات هواتفنا، فتأخذ من الوقت، ثم من الحوار، ثم من الروابط التي كانت تجمعنا. كم من أبٍ يجلس إلى مائدة الطعام، يرفع عينيه بحثاً عن حديث مع أبنائه، فلا يجد إلا رؤوساً منحنيةً نحو الهواتف، وكأن كل واحد يعيش في بيتٍ آخر، رغم أنهم تحت سقف واحد.
وهنا يبدأ التصدّع الحقيقي. فالأمم لا تبدأ بالضعف عندما تتراجع اقتصاداتها أو تتعرض لتحديات خارجية، بل عندما تَضعف الأسرةُ، لأنها المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الإنسانُ الاحترامَ، والرحمةَ، والانتماءَ، وتَحمّلَ المسؤولية.. فإذا تماسكت الأسرةُ، بقيّ المجتمعُ قوياً مهما اشتدت التحدياتُ، وإذا تفرقت الأسرة فلن تستطيع القوانينُ وحدها أن تعيد ما فقده الأبناءُ في بيوتهم.
ومن هذا الفهم العميق، أولت دولةُ الإمارات الأسرةَ مكانتَها التي تستحقّ، وجاء عام الأسرة ليؤكد أن بناء الوطن يبدأ من بناء الإنسان، وأن الإنسان لا تبنيه المؤسسات وحدها، بل يبنيه بيتٌ متماسك، يحضر فيه الأب، وتحتضنه الأم، وتبقى فيه صلة الرحم قيمةً تُمارَس، لا شعاراً يُرفع.
وفي مجتمعنا الإسلامي، لم تكن الأسرةُ يوماً مجردَ رابطة نسب، بل الحصن الذي تُصان فيه القيم، وتُغرس فيه الأخلاق، ويُحفظ به الدين، ويُبنى فيه الانتماء. وكلما ازداد ترابطها، ازدادت مناعة المجتمع أمام كل فكرة دخيلة، وكل سلوك يسعى إلى تفكيك الهوية أو إضعاف الروابط بين الأجيال.
وربما لن يتذكر الأبناء يوماً كم أنفق آباؤهم عليهم، ولا كم ليلةً سهروا مِن أجلهم، لكنهم سيتذكرون دائماً ذلك الشعورَ بالأمان الذي منحهم إياه وجودُ الأب. وسيكتشفون، ولو بعد حين، أن أعظم إرث تركه لهم لم يكن مالا ولا عقاراً، بل بيتاً جمع القلوبَ قبل أن يجمع الجدران.
الأب لا يتقاعد من أبوته.. ويبقى البيتُ الذي بناه هو المكان الوحيد الذي يتعلّم فيه الإنسانُ معنى الحب قبل أن يتعلّم الكلامَ، ومعنى المسؤولية قبل أن يواجه الحياة، ومعنى الانتماء قبل أن يعرف الوطن.
*لواء ركن طيار متقاعد


